Atwasat

تشريح القنفذ ـ القذافي متنبئا (19)

عمر الكدي الإثنين 25 ديسمبر 2023, 03:23 مساء
عمر الكدي

في كتابها «رسول الصحراء» سألت الصحفية الإيطالية مريلا بيانكو القذافي «هل رعيت الغنم يا رسول الله؟»، فأجابها دون تردد «ما من نبي إلا ورعى الغنم». في ذلك الوقت المبكر وصلت البارانويا بالقذافي إلى التصديق بأنه نبي يوحى إليه، ولهذا ظل يردد لسنوات عديدة أنه لم يكتب الكتاب الأخضر، وإنما هو تراث للإنسانية، وحاول ترويج بعض الاجتهادات الدينية لم يكتب لها النجاح، من بينها إسقاط كلمة «قل» في المعوذتين وسورة الإخلاص، فعندما يصلي لا يتلو «قل هو الله أحد» أو «قل أعوذ برب الناس» ، وإنما يتلو «الله أحد» و«أعوذ برب الناس»، وكان يبرر ذلك بأن الخطاب موجه للرسول وليس للناس كافة، وإلا لكانت الكلمة وردت بصيغة الجمع وهو مبرر غير مقنع كلف الإمام موسى الصدر حياته، عندما رد على القذافي في جامع مولاي محمد بطرابلس، وتسبب الرد الغاضب في غضب القذافي لذلك غيبه هو ورفيقيه وبقية القصة معروفة. في الحقيقة أن القذافي عندما وجد نفسه يقود دولة كان بالأمس مجرد ملازم أول في جيشها، شعر أن العناية الإلهية كانت دائما إلى جانبه، واعتبر أن طرده من مدارس سبها إلى مصراتة هي هجرة تشبه هجرة الرسول من مكة إلى المدينة، لذلك غير أسماء المدن مثلما غير الرسول اسم يثرب إلى المدينة، فأطلق على سبها «الشرارة الأولى»، وعلى بنغازي «البيان الأول»، وعلى سرت «الرباط الأمامي»، وعلى زوارة النقاط الخمس، ووصل به الوهم أنه يستطيع توحيد العرب مثلما فعل الرسول، ثم يتوسع ليسقط أكبر إمبراطوريتين في العصر أميركا وبريطانيا، وعندما عجز شعر بالغيرة من الرسول فقرر شطب سنته، وعبر عن ذلك في مناسبات كثيرة قائلا إن محمدا مجرد رسول أوصل الرسالة وانتهى دوره، ولهذا اعتمد «القرآن شريعة المجتمع»، ليس انطلاقا من قراءة تقدمية للتراث الإسلامي، والتي ترى أن السنة تحتاج إلى غربلة وأن الفقهاء تركوا القرآن وقدسوا أحاديث كتبت بعد قرنين من وفاة الرسول، وإنما غيرة من الرسول نفسه، ولذلك ألغى التقويم الهجري واعتمد تقويما يبدأ من وفاة الرسول، في البداية اعتمد تقويما يبدأ من ميلاد الرسول، ولكن لا وعيه المضطرب والمشحون بالغيرة من الرسول، جعله يعتمد تقويما يبدأ من وفاة الرسول، وكان لا وعيه يريد أن يموت الرسول مرتين مرة بالوفاة الطبيعة والأخرى وفاة تاريخية ولو في هذا التقويم.

الشخصية الثانية التي كرهها القذافي وشعر بغيرة منها هو الإمام المصلح محمد بن علي السنوسي، وصلت الكراهية لدرجة أن القذافي أمر بهدم ضريح الإمام في واحة الجغبوب ورمي رفاته في الصحراء. لقد رحل الإمام قبل أن يولد والد القذافي ولم يفعل للقذافي شيئا له ولعائلته، ويبدو أن نجاح السنوسي الكبير هو الذي حرك هذه الكراهية في نفس القذافي المشوهة، ومع ذلك حاول تقليده مثلما قلده حسن البنا، الذي أطلق على جماعته اسم «الإخوان المسلمون» بدلا من «الإخوان السنوسيون»، كما حاول القذافي بناء سلسلة من الزوايا أطلق عليها اسم المثابات الثورية، ومع ذلك فشل في تحقيق ما حققه السنوسي الكبير، الذي جاء من مدينة مستغانم في أقصى الغرب الجزائري المطلة على المتوسط ليقود ثورة ناجحة بين بدو برقة. نجح السنوسي في سنوات قليلة في قلب التراتبية البدوية التي يحتل فيها شيوخ السعادي قمة الهرم، فأصبح عمر المختار المنفي من قبيلة مرابطة على قمة الهرم العسكري للحركة، وعندما استشهد تولى القيادة يوسف بورحيل المسماري، وكان أقرب المساعدين للمختار الفضيل بوعمر الأمازيغي الأوجلي، بينما لم ينجح القذافي إلا في تأليب القبائل ضد بعضها، وإحياء الثارات القديمة بينها، لدرجة أنه جعل الزنتان والرجبان في مؤتمر شعبي واحد تنقل جلساته على الهواء مباشرة، وجلس يستمتع بالخلاف بين الحليفين التاريخيين. كان الزنتان في المؤتمر يتخذون قرارا فيعارضه الرجبان، ولأن الزنتان أكثر عددا من الرجبان يحاول أهل الرجبان إسقاط القرار بالهتاف أمام منصة أمانة المؤتمر وهم يرددون «الفاتح الفاتح»، فيرد عليهم أمين المؤتمر الزنتاني «ميتخ ميخ تو ينفعك الفاتح»، وذات مرة دفع الرجبان بمرشح لمكتب الاتصال الخارجي يجيد عدة لغات، فخرج أحدهم لتقديم المرشح قائلا «أدفع بفلان الفلاني فهو يجيد اللغة الإنجليزية قراءة وكتابة، ويجيد اللغة الفرنسية قراءة وكتابة، ويجيد اللغة الإيطالية قراءة وكتابة»، فقاطعه أمين المؤتمر الزنتاني قائلا «والله ولو يبدى يلاغي في الطير زي سيدنا سليمان ما هو هاويها»، أي ولو أصبح يخاطب الطير مثل سيدنا سليمان فلن يصعد لهذا المنصب.

يطمئن القنفذ عندما يشاهد الحيوانات المفترسة تتقاتل بضراوة، فذلك يشعره بالأمان كما أنه سيعثر على أرض المعركة ما يقتات عليه.

الصحراء منحت القذافي القدرة على توقع الخطر. فالذي يولد في الصحراء يتعلم كيف يمسح الأفق، وينظر إلى بعيد مستطلعا أحوال المناخ، كما يتعلم كيف يميز بين السراب وبين الغدير، لذلك صدقت نبوءات عديدة للقذافي من بينها تحذيره للزعماء العرب بعد إعدام صدام حسين بأن الدور عليهم، وقد حاول القذافي إقناع صدام حسين بالانسحاب من الكويت دون جدوى، ليس حبا في صدام حسين، وإنما عرف بحدسه البدوي بأنه سيكون التالي على القائمة الأميركية، أما بعد إعدام صدام حسين فقد أجهش القذافي بالبكاء، لأنه رأى نهايته تلوح أمامه، بالرغم من العداء الشديد بين الرجلين، فعندما اجتاح صدام إيران أرسل له القذافي برقية تقول «إن قتلاكم وقتلاهم في النار لأنهم جميعا مسلمون»، فرد عليه صدام قتلانا في الجنة وقتلاهم وأبوك في النار، وفقا لشهادة السفير العراقي لدى ليبيا علي السبتي الحديثي.

كان بإمكان القذافي احتواء ثورة فبراير لو استخدم حدسه القديم، ولكن حقن برلسكوني المنشطة جنسيا جعلته خاملا، وانتهى مثلما تنبأ في قصته «الفرار إلى جهنم» في حفرة تشبه حفرة صدام.

________________

مقالات سابقة في السلسلة
تشريح القنفذ (18) ـ شجاعة القذافي
تشريح القنفذ (17) ـ ذكاء القذافي
​- تشريح القنفذ (16) ـ القذافي والفن
تشريح القنفذ (15) ـ القذافي والإعلام
​- تشريح القنفذ (14) ـ القذافي والمثقفون
تشريح القنفذ (13) ـ أيديولوجيا القذافي
​- تشريح القنفذ (12) ـ ثقافة القذافي
تشريح القنفذ (11) ـ القذافي مفكرًا
​- تشريح القنفذ (10) ـ القذافي والطلبة
تشريح القنفذ (9) ـ القذافي المراوغ
تشريح القنفذ (8) ـ رسول الصحراء
تشريح القنفذ (7) ـ الحاكم بأمره
تشريح القنفذ (6) ـ وجوه القذافي العديدة
تشريح القنفذ (5) ـ الانقلاب على الرفاق
تشريح القنفذ (4) ـ تحليل شخصية القذافي
تشريح القنفذ (3) ـ القذافي والقنفذ
تشريح القنفذ (2) ـ البدوي الأخير
تشريح القنفذ (1) ـ تحليل شخصية الطاغية