Atwasat

تشريح القنفذ ـ ثقافة القذافي (12)

عمر الكدي الإثنين 06 نوفمبر 2023, 04:11 مساء
عمر الكدي

علينا أن نحلل شخصية القذافي من جميع وجوهها لأننا بذلك نحلل ظاهرة الطاغية في تاريخنا، وعندما نستوعب هذه الظاهرة لن تتكرر في تاريخنا مرة أخرى. أسس الدولة القهرمانلية ابن مهاجر تركي من قرية قهرمان في الأناضول. تزوج من سيدة ليبية مؤسسا بذلك مجموعة من السكان عرفت باسم الكراغلة انتشرت في المنطقة الغربية وبنغازي، واستمرت تلك الدولة من 1711 إلى 1835 ولم ندرسها بشكل كاف، حتى مرحلة يوسف باشا الأقرب إلينا والذي يشبه القذافي لم ندرسها بشكل واف، لذلك ظهر يوسف باشا مرة أخرى على شكل ضابط بدوي يسيطر على الاحتياطي الأكبر من النفط في أفريقيا، وليس مثل يوسف باشا الذي اعتمد في اقتصاده على القرصنة البحرية وتجارة العبيد وتجارة القوافل مع أفريقيا.

لم يكن أمام القذافي الذي ولد في بادية سرت ليتعلم إلا الكُتاب، حيث تعلم على يد فقيه تقليدي نجده عادة في القرى الصغيرة يعتاش على ما يمنحه طلابه الصغار كل يوم خميس، ومن وقف الجامع فالقرية الفقيرة تجد فقيهها فقيرا، والقرية الغنية تجد فقيهها أفضل حالا. في الكتاب تعلم القذافي القراءة والكتابة، وحفظ بعض سور القرآن والتحق، وقد تجاوز عمره الثماني سنوات، بمدرسة سرت الابتدائية التي تبعد عدة كيلومترات عن النجع حيث تقيم عائلته، وفي مدرسة سبها الإعدادية وجد فرصة أفضل للتعلم ومكتبة لم تكن موجودة في سرت، إلا أن أهم مصادر ثقافته جاء من المذياع الذي كان يحمله حيثما توجه، وينصت إلى إذاعة صوت العرب أكثر من غيرها.

المذياع جعل القذافي بعد نجاحه في امتحان الثانوية العامة بمدرسة مصراتة الثانوية يتجه إلى الكلية العسكرية ببنغازي، ومن خلال المذياع قرأ بيانه الأول، لذلك حرص على حراسة الإذاعة بدبابتين وعدد كبير من الحراس. في العام 1994 وصلتني دعوة من إذاعة المنستير لأشارك مع الصديق الشاعر فرج العربي في ملتقى الأدب المغاربي، ووجدنا سيارة تنتظرنا على الحدود، وعندما وصلنا إلى إذاعة المنستير وجدنا المدير في استقبالنا أمام الإذاعة، فقلت له أين الدبابتان ولأنه يعرف ليبيا جيدا استغرق في ضحكة طويلة، وفي مكتبه قال إنه عمل مدرسا في ليبيا في صرمان، وأن الخويلدي الحميدي كان أحد تلاميذه، فقلت له أشهد بالله أنك مدرس فاشل، فاستغرق في ضحكة أطول وهو يقول هذا صحيح.

بعد أن أصبح القذافي ملازما أول في سلاح الإشارة، سجل في قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة بنغازي، وكان يتردد على الجامعة ليس فقط للدراسة وإنما لتجنيد خلايا مدنية، من خلال زملاء الدراسة في سبها ومصراتة، ويبدو أنه سجل في الجامعة حتى يبرر تردده عليها، أكثر من طموحه في الحصول على الشهادة الجامعية. نلاحظ أن صدام حسين فعل الشيء نفسه بعد أن حصل على الشهادة الثانوية خلال إقامته في القاهرة، ولكن كل من اتصلت بهم وكانوا قريبين من القذافي أكدوا أنه أدمن قراءة التاريخ أكثر من أي حقل آخر.

لم تكن قراءة منهجية وإنما قراءة انتقائية. الذين يدرسون التاريخ بشكل منهجي ينتهي بهم المطاف للتساؤل لماذا حدث ما حدث، والذين يقرؤون التاريخ بشكل انتقائي يتساءلون كيف حدث ما حدث، ومن الواضح أن القذافي اطلع على التاريخ الأوروبي مثل الثورة الفرنسية وتشكيل الكومونات، ومصير دانتون وروبسبير، كما درس التاريخ الألماني وجهود بسمارك في توحيد ألمانيا، بالإضافة إلى توحيد إيطاليا على يد العسكري غريبالدي والمثقف يوسف ماتزيني، كما درس الثورة البلشفية والمسيرة الكبرى لماوتسي تونغ، ودرس التاريخ العربي الحديث والقديم واهتم بتأسيس الأحزاب عقب سقوط الدولة العثمانية، وتجربة مصطفى كمال أتاتورك، ومن كل هذه القراءات ركز القذافي على كيفية السيطرة، وانتقى ما يساعده على تطبيق برنامجه، فمن ماوتسي تونغ استعار شعار الثورة الثقافية ولم يهتم بفشل هذه الثورة، ولكن سحره ماو تسي تونغ وهو يرى كبار قادة الثورة يحاسبهم طلبة في عمر أبنائهم، لأنهم تجرأوا وانتقدوا نتائج «القفزة الكبرى إلى الأمام» التي تسببت في موت عدة ملايين من الصينيين جوعا، ومن هناك جاءت فكرة تأسيس حركة اللجان الثورية، انطلاقا من جمعية ابن خلدون التي أسسها في جامعة طرابلس عبدالقادر البغدادي وسعيد راشد وسعيد حفيانة وآخرون لا تحضرني أسماؤهم، ومن الثورة الفرنسية استعار الكومونة، كما استعار بعض المقولات من سان سيمون وسيسموندي وباكونين، ومن النازية والفاشية استعار القومية والاشتراكية وعجنهما معا، ومن الثورة البلشفية تعلم كيف تسيطر مجموعة صغيرة منظمة على بلد كامل، ومن لينين تعلم حرق المراحل، ومن تروتسكي استعار الثورة الدائمة، كما انتقى من علم الاجتماع أطروحة الأنثروبولوجي الفرنسي بيار كلاستر «مجتمع اللادولة».

وظل القذافي يستعير ما يلائمه وهو في قمة السلطة، فعندما أصدر الكاتب البريطاني أنتوني جيدنز كتابه «الطريق الثالث» تبناه القذافي لدرجة اتهامه بسرقة أفكاره. هل يمكننا اعتبار القذافي مثقفا؟ الجواب لا. لأنه كان انتقائيا بشكل مرضٍ، وهذا النوع من القراءة لا ينتج مثقفا بل ينتج محرضا أيديولوجيا أو مثقفا شعبويا، هدفه السلطة فقط وليس المعرفة مثله مثل الفقهاء الذين يحفظون النصوص دون تفكير. المثقف الحقيقي ينهل معارفه من مصادر شتى ولكنه يستطيع هضمها وتمثيلها وتحويلها إلى سبيكة، أما المثقف المزيف فتكشفه آثار الترقيع حتى تتحول ثقافته إلى ما يشبه ثوب المتسول أو خيمة البدو الرحل.

________________

مقالات سابقة في السلسلة
تشريح القنفذ (11) ـ القذافي مفكرًا
​- تشريح القنفذ (10) ـ القذافي والطلبة
تشريح القنفذ (9) ـ القذافي المراوغ
تشريح القنفذ (8) ـ رسول الصحراء
تشريح القنفذ (7) ـ الحاكم بأمره
تشريح القنفذ (6) ـ وجوه القذافي العديدة
تشريح القنفذ (5) ـ الانقلاب على الرفاق
تشريح القنفذ (4) ـ تحليل شخصية القذافي
تشريح القنفذ (3) ـ القذافي والقنفذ
تشريح القنفذ (2) ـ البدوي الأخير
تشريح القنفذ (1) ـ تحليل شخصية الطاغية



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»