احتفظت ورفلة بدور سكان التخوم السياسي منذ القرون الأولى للميلاد، فهم حماة العواصم الشمالية المتعاقبة وحزام نارها الذي يطوقها حماية، وهم أيضاً وكما كان أسلافهم القدماء التهديد الدائم لاستقرارها، فهم المحاصرون للبدة العظمى والعابثون بمزارعها وقصورها، والمتمردون على طرابلس الرافضون لدفع الضرائب لحكامها المتعاقبين، وهم المناورون بولائهم للحاكم وللمركز طوال التاريخ. فلقد ظل الرومان والترك والطليان وحتى حكام العصر الحديث مضطرين دائماً لإرسال حملاتهم العسكرية لتحاصر ورفلة وتقصفها وتواجه مقاومة عنيفة وتدخلها دون أن تجد بها أحداً، فلقد ظل أهل ورفلة يطبقون استراتيجيات أسلافهم الليبيين القدماء: «الانسحاب والاحتماء بالصحراء والتحول إلى بدو يهيمون في الوديان ويغيرون على القوات المحتلة ويوقعون بها ضربات موجعة ليعطلوا استقرارها ويفشلوا إصرارها على البقاء!».
اجتاحتها قوات الرومان مرات عديدة ثم استطاعت فرقة «أوغوستا» أن تجعلها حزاماً للبدة وأويا وصبراتة الحامي من تهديد الجنوب، وذلك بتبني المشروع العسكري الاقتصادي الذي حول ورفلة إلى معسكرات حماية لبدة العظمى وأويا وصبراتة، وذلك عبر تمليك بعض الضباط والمحاربين المتقاعدين من الخدمة العسكرية أراضيَ مستصلحة بها آبار للري -لا زالت تعمل حتى الآن- وإنشاء نظام ري مناسب للبيئة؛ حيث تم حفر سواقٍ مسقوفة من الصهاريج إلى المزارع، ووضع لها نظام توزيع للمياه بين المزارع، وعمل في تلك المزارع عبيدٌ وفلاحون من المنطقة، وكانت مهمة أولئك الضباط والمحاربين الزراعة وقت السلم والتصدي لغزوات قبائل الجرمنت من الجنوب وتعطيل تقدمها وإبلاغ لبدة لتحريك الجيوش قبل وصول تلك القبائل إلى مشارفها ومزارعها.
عرف ذلك النظام بنظام المزارع المحصنة، وهو جزء من استراتيجية أحزمة النار كما سماها الرومان التي طوقوا بها المدن الثلاث بالساحل الغربي من ليبيا. كانت أحزمة النار فكرة عبقرية في ذلك الوقت، فلقد بنيت نقاط صغيرة للحراسة إلى جانب المزارع المحصنة، وكان نتيجة للتوزيع الدقيق لتلك النقاط، حيث تقابل كل نقطة النقطة التي تليها ويمكن لكل منهما أن ترى الأخرى وإن بعدت المسافة بينهما، كان بإمكان ورفلة أن تبلغ لبدة بالخطر القادم دونما معاناة وفي زمن قصير، قد لا يستغرق وصول البلاغ من ورفلة إلى لبدة الساعة من الزمن، علماً بأن المسافة بين ورفلة ولبدة العظمى لا تقل عن المئة كيلومتر بقياسنا الحديث، كل ذلك دون أن يتحرك فارس على جواد بالبلاغ ودونما عناء أو مكابدة، كل ما كان على المكلف بالحراسة فعله هو أن يصعد إلى أعلى مبنى نقطة الحراسة ويشير بالأعلام الملونة إلى النقطة التي تليه لتوصلها التي تليها للنقطة التالية وهكذا حتى قيادة الجيش في لبدة، هذا في النهار أما في الليل فكانت الأعلام تستبدل بالمشاعل.
كانت تلك النقاط موزعة بشكل دقيق وغالبها في أعلى الجبال وتمتد من غدامس غرباً وحتى بونجيم شرقاً، ومن سوف الجين حتى مشارف لبدة عبر مرتفعات ربات الجمال بترهونة ومسلاتة وعبر وديان شمال شرق ورفلة إلى وادي ترغلات ثم نهر كينوبس «وادي كعام الآن».
في هذا الطوق نما جيب حضاري غريب هو مزيج من الثقافة الليبية والفينيقية، وعلى عكس جيوب الساحل لم يظهر فيه الأثر الروماني إلا في تخطيط مواقع الحراسة ليتولى سكان المنطقة المحليون كل شيء، فكانوا هم البنائين والنحاتين والنساجين والزراع وصناع الأساطير بالتأكيد.
كان بإمكان الثقافة المحلية أن تجد في شعاب ورفلة ووديانها ومرتفعاتها أمكنة آمنة للحفاظ على خصوصيتها وأن تقاوم ذوبان لبدة وأويا وصبراتة الفينيقية تحت سعير كير روما الحضاري!! الحفاظ على الخصوصية والاستقلالية مناورة بإظهار الولاء للعواصم والتمرد عليها وتهديد أمنها ومحاصرتها والعبث في مزارعها في لحظات غير متوقعة كان لعبة ورفلة المتكررة منذ قرون الميلاد الأولى وحتى العصر الحديث. مقاومة حملات العواصم العسكرية باستراتيجية «فابيوس»: التراجع والتلاشي وامتصاص اندفاع الغازي والتحول فجأة إلى قرى مهجورة تصفر فيها الريح، ليدخل القادم منتصراً وتتاح له فرص الاسترخاء والطمأنينة، ليتم ضربه فجأة من حيث لا يعلم.
ربما كان أهل ورفلة الوحيدين من الليبيين الذين حافظوا على تكتيك أسلافهم الليبيين القدماء هذا وظلوا يستخدمونه حتى الآن! تدخل الجيوش إليها بعد عناء وخشية وتردد لتفاجأ بمقاومة شرسة قصيرة، ليست في الغالب إلا مناورة لتغطية انسحاب الجميع وتلاشيهم في الوديان والشعاب ثم في رمال الصحراء الكبرى، وغالباً ما يجد الجنود القادمون الشيوخ يدفنون موتاهم والعجائز يندبن مهيلات التراب على رؤوسهن الشعثاء المغبرة، كي لا يتذكر الفاتحون من ورفلة إلا «النادبات» والخرائب!
النادبات لا يمتهن هذه المهنة كما في بعض الحضارات، بل هن نساء عاديات في الغالب يتعلمن هذا التراث الجنائزي ويتقنّـه دون احترافه. القيام بالندب على الموتى كان واجب كل نساء عائلة الميت وجاراتهن وبنات عشيرتهن وصديقاتهن المقربات.
منحوتة النادبات التي تعود إلى القرن الرابع للميلاد، والتي تظهر فيها تفاصيل النادبات الورفليات، يعتبرها الورافلة المحدثون آخر مشهد من مشاهد خسف عاصمتهم في ذلك العصر «قرزة» حين خسفها الله وحول كل شيء حي فيها إلى حجر، النخل والآبار والرجال والنساء والإبل والجياد، الغزلان والضباع والكلاب كل ما ليس حجراً فيها تحول إلى حجر، يتسمر بعضه في أعلى الجبال وبعضه في الوديان، بعضه مندهش وبعضه هادئ والبعض سعيد مفاخر بفرمان تعيينه حاكماً لمملكة الحجر تلك الصادر من لبدة العظمى التي كانت جيوشها قد دكت مدينته مرات عديدة قبل أن تعترف به وبخصوصية ثقافة التخوم وبالطبع قبل تحجره بلحظات كما يظهر في التمثال.
ثقافة التخوم والتي تمثل ورفلة أكبر مخازنها في وسط الجغرافيا الليبية لم تنل ما تستحق من الدراسة لفهم أحد مكونات هذا الكيان الليبي المقاوم للسيولة بالتحجر، ففي ليبيا حيث لا نهر يجري: «أنت تنزل الغدير مرات عديدة».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات