Atwasat

شارع الصحافة (4)

سالم الكبتي 8 ساعات
سالم الكبتي

إن الصحافة الليبية بعد الاستقلال نهضت بمسؤوليتها المهنية والفكرية والعملية. كان لها، عبر روادها، مشروع وطني يتوخى وضع حجر أساس حقيقي ومتين لصحافة وطنية مستقلة وفاعلة. أطلت صحف، وبرز صحفيون، وتطورت مع الوقت الصحافة في الطبع والإخراج والأسلوب وإعداد التحقيقات ونقل الأخبار بأمانة وإجلاء الصدأ ومسحه عن هموم الوطن. ثمة قضايا شهيرة عاشتها الصحافة وتابعت مسائلها، ولم تقف متفرجة، لكنها ظلت شاهدة على الدوام. ومع الأعوام ظلت (جريدة يومية أو أسبوعية)، ثم أضحت تاريخاً. بمعنى أن الجريدة الليبية في عصرها الحديث كانت بالأمس (جريدة)، وفي هذا الوقت صارت قطعة من تاريخ الوطن. الصحافة تاريخ وحده يشار إليه ويعتمد عليه بوصفه مرجعية ومصدراً مهماً للتوثيق.

أصدرت الدولة قانون المطبوعات. وكان للدولة أيضاً مطابعها الخاصة في بنغازي وطرابلس وسبها، عُرفت بمطابع الحكومة. ثم مع التطور والحراك ازداد وانتشر عدد المطابع الخاصة في فترة لاحقة عند بعض الصحف (الحقيقة والزمان على سبيل المثال). وحين كانت الصحف تطبع في مطابع الدولة، ظلت لا تتحرج ولا تجامل السلطة في النقد والكشف عن المظاهر السلبية التي تعيق تقدم المجتمع. وظل هناك ضمير صحفي يراعي المسؤولية وكرامة الكلمة والقارئ من قبل أصحاب الصحف الذين لم يتوانوا في الواقع عن حماية الكتاب والصحفيين وتحمل أعباء ما ينشرون ويكتبون. لم يتخل أولئك الرجال، في أغلبهم، عن المحررين والكتاب فيما يطرأ من أمور تتصل بالرأي. كانت المسؤولية مشتركة في العموم بين صاحب الصحيفة والكاتب. علاقة لم تنفصم أو تنفصل، بل ظلت تتجدد وتنمو وينتج عنها عطاء رائع هو العطاء المتواصل بالكلمة الحرة. هذا لوحظ عبر تلك الصحف المستقلة التي تميزت بالأصالة والرهان على مصالح الوطن وأبنائه.

إن أمثلة تلوح أمامنا وتتوهج في شارع صحافتنا الليبية التي نهضت بمهمة الإصدار والنشر، ونظرت إلى المسألة بأنها واجب يتحتم القيام به دون النظر إلى مكاسب الربح. ذلك زمن لم يكن عادياً بمفهوم ما كان فيه الوطن صاحب المسافات البعيدة وعوامل التخلف والقهر المترتب على فترة مضت من الاحتلال الأجنبي، علاوة على الظروف المحيطة بالمواطن البسيط الذي كان يحلم بالفصل الدراسي ولقمة العيش والمستشفى وفرص العمل والتطلع إلى مستقبل أكثر إشراقاً والعديد من الأحلام. هذا الوطن.. هذا الواقع.. هذا المواطن، كيف تشده بعيداً عن هذه الأمنيات صحافة يتابعها ويحترمها ويعتبرها صوتاً له؟ كان وقته يمضي في معاناة اليوم الواحد في المدينة والقرية والواحة، ويرى أن هذا النضال اليومي أهم لديه من متابعة الصحيفة الصادرة في مكان بعيد عنه. غير أنه مع تنامي حركة التطور في البلاد وارتفاع سقف التعليم وانتشار الوعي معه وتكوين الجامعة والمعاهد العليا، صارت الصحافة الليبية جزءاً في أحيان كثيرة من حياة هذا المواطن الذي تطور في الوقت نفسه وعيه وتغير مفهومه لمعاني التقدم الاجتماعي والتغيير المستمر نحو الأفضل. كان إصدار صحيفة مستقلة وسط هذا الواقع وهذه الظروف والمعاناة مغامرة تحتاج إلى الاستعداد ودراسة كل الأمور والتفاصيل والتخطيط المحكم لكيفية التوزيع وتغطية مدن الدواخل عبر وصول الصحيفة إلى كل رقعة من الوطن. لم تكن الطائرات مهيأة، وكذا سكة الحديد، تلك الأيام وغيرها. لكن الصحافة نجحت في اختراق المسافات وامتدت بوسائلها الخاصة في الوصول والانتشار مع الزمن. لقد كان كل هذا مسألة عسيرة تحتاج إلى صبر وعزم كبيرين.

قياساً على ذلك، فإن فزان البعيدة لم تكن بها صحافة تذكر قبل الاستقلال. لكن بعض الرجال هناك الذين تصدوا للعمل الوطني ونسقوا مع إخوانهم في الشمال، في طرابلس وبنغازي وغيرهما، أصدروا نشرات بخط اليد منها (الكفاح) و(الصاعقة)، كانتا صوتاً للإرادة الوطنية، وفي هون صدرت نشرة (صوت الجفرة). وفي فترة موالية ينهض الأستاذ والمعلم محمد فاضل زيان بكتابة وإعداد صحيفة حائطية اسمها (الوعي) كل أسبوع ويعلقها فوق جدران سوكنة. شواهد على الانتماء لقضايا الوطن والشعب. نشاط كان يسير في درب بالغ القسوة، لكنه ظل شامخاً بهذه المبادرات والبدايات التي مهدت الطريق لإنشاء المطبعة الحكومية في سبها عام 1957، وصدور أول عدد من جريدة (فزان).

ثمة رجال هنا أيضاً نهضوا بالمشوار كما ينبغي. بدأت علامات التنوير والاستشراف في تلك النقطة القصية من الوطن. يذكر في مقدمتهم السيد سيف النصر عبد الجليل، رئيس المجلس التنفيذي في ولاية فزان. شاب حمل طموحاً في واقع صعب هناك ورعى ملامح التطور مع عديد المخلصين. أسند بحكم علاقاته ومعرفته رئاسة تحرير الجريدة إلى محمد عمر الطشاني القادم من القاهرة حيث كان يدرس، وصاحب التجربة الصحفية والثقافية عبر نادي ليبيا الثقافي، ومعه زميله الوطني فاضل المسعودي. سيف النصر المسؤول الواعي تجاوز بهذه الصورة الكثير من التحفظات عن الرجلين وأقحمهما في خضم المشاركة الجادة والمسؤولة في بناء الوطن.

أصبحت جريدة فزان تصدر أسبوعياً، وكانت ملاذاً لعديد الآراء من الكتاب والشعراء في مناطق الوطن الأخرى. نشر وكتب خلالها يوسف القويري وعبد الله القويري وعلي فهمي خشيم، وحررت حميدة القزلة ركناً للمرأة، ورشاد الهوني، ومحمد مصطفى رمضان أطل عبر الجريدة بقصصه القصيرة. كانت بدايته الأدبية والفكرية في فزان قبل أن يشتهر مذيعاً متميزاً في الإذاعة الليبية ثم في إذاعة لندن حتى مصرعه المؤسف في أبريل 1980. ومحمد مصطفى المازق الذي انتقد المصالح المشتركة (النقطة الرابعة) عبر الجريدة في مقالات شهيرة وأشار بأنها ليست مشتركة. وجمعة الفزاني، فيما أتاحت الجريدة في تلك الظروف مساحات للطلاب منهم (معمر بومنيار) وبعض المثقفين والمعلمين العرب في مدارس سبها، ولقضايا مؤثرة في تلك المرحلة في مقدمتها قضية الجزائر والتجارب الذرية لفرنسا في مالي. ونشرت لخالد زغبية، الطالب في الجامعة الليبية، قصائده الملتهبة عن السور الكبير والبلاد صاحبة البترول الكبير والشعب الفقير، وغير ذلك مما رصدته الجريدة وتابعته.

إن هذه المرحلة المبكرة من الصحافة، على سبيل المثال، في ذلك الجزء البالغ الأهمية من الوطن، تستدعي من الباحثين عناية واهتماماً يسدان نقصاً في تاريخ الصحافة الوطنية. كانت الصحراء وتلالها تردد أصداء الكلمات، وكان هدير مطبعة الولاية في آخر الليل وحتى الصباح يحاول أن يؤسس وعياً كبيراً يحارب ظلمات التخلف. جريدة فزان التي تتبع الحكومة بكيفية رسمية كانت، في جانب آخر، تحمل في سطورها مواقف وآراء وطنية مستقلة لا يغفلها تاريخنا. فزان، حتى وهي صحراء، ظلت حبة القلب في الوطن على امتداده. كانت مؤثرة وفاعلة على نحو حقيقي. قضية إنشاء طريق فزان وما تداعى عنه.. كشفته صحيفة المساء في طرابلس العام 1960. وصلت إلى البرلمان.. سحب الثقة من الحكومة وأسقطها. البرلمان أكمل الدور الوطني للصحافة بكل شجاعة.. والحرية تقود الخطوات نحو الآمال والأحلام التي يختزنها عقل المواطن ويحبسها صدره.. على الدوام.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»