Atwasat

سلالة النور (1)

مفتاح. العماري 5 ساعات
مفتاح. العماري

إلى روح الشاعر محمد الفقيه صالح
« ملّ قلبي الخشب
الكلام – الخشب
والأغاني،
الثواني
المرايا الخشب.
صار يلزم عود ثقاب،
وشيء من البرق
في لغة يقشعر المدى
من حشاشاتها إذ تهب.
لتنتزع الروح من قاعها
وتطلقها في مدار الغضب.
ويلزمنا أن نزيح الستائر
ضاق المكانُ بنا ... »
(محمد الفقيه صالح)
في عام 1976 كتبَ محمد الفقيه صالح: «يبلغ الشعرُ عنفوانه الأقصى حينما يكون احتفالًا هائلًا بالحياة والكون». وهذا ما فعله خلال رحلته إنسانًا وشاعرًا ومثقفًا، إذ لم يتوقف عن الانتصار للحياة والشعر، حتى عندما تعرض للاعتقال والحكم عليه ظلمًا بالسجن المؤبد في قضية: كتّاب صحيفة الأسبوع الثقافي. كان بامتياز شاعر المكابدة والتحولات المعرفية والعلامات والمرجعيات الأكثر غورًا في تشكيل ملامح قصيدة ما اصطلح على تسميته (تحقيبا) بجيل السبعينيات في ليبيا. وحتى إن تمكن طغاةُ العسكر في (الحقبة نفسها) من حجز جسد الشاعر مدة عشر سنوات، إلا أنهم عجزوا تمامًا عن مصادرة خياله وإرادته، ومن ثم مستقبله.
وترجمة للحرية في أسمى معانيها، دون محمد الفقيه صالح مجموعته الشعرية الثانية «حنو الضمة سمو الكسرة» داخل السجن، كأجمل استعارة لتفوق المخيلة على ظلمة الزنازين، مما يشي بمدى تشبثه بحلم الشاعر الإنسان، رافدًا خياره بإرادة أسطورية مكنته من مواصلة الرفض والتحدّي لآلة القمع. وهذا ما رسخه طوال مسيرته الثرية بالعطاء النوعي، حيث تمخض مجمل نتاجه (على قلته) عن موهبة حقيقية تسلحت بثقافة تنطوي على درجة عالية من الوعي والعمق، وفضلاً عما كانت تتصف به شخصيته من فائض النزاهة والصدق، عبر في الآن نفسه عن عشق استثنائي في علاقته بلغة الضاد، كمريد متصوف وهب لغة الكتابة جزءًا من روحه وانهمامه، بوصفها (أي اللغة) كيانًا لا قيمة للهوية خارج مداره.

أذكرُ أنني في السنوات الأولى من عشرية تسعينيات القرن الماضي كانت لي محاضرة بقاعة القبة الفلكية في طرابلس، تناولت بشكل عام فعل الإبداع والحداثة، تمحور انشغالها بصورة خاصة حول تجليات تجربة الشعر العربي المعاصر في ليبيا. إذ ذاك كان الشاعر محمد الفقيه صالح من بين الحضور الأكثر حماسة واهتمامًا الذين تصدوا لها بالنقاش. وقد عبرت تلك المحاضرة (في جزء من تفرعات عناوينها) عن وجهة نظري الخاصة وذائقتي الشخصية في التقاط أهم العلامات المؤثرة في الحركة الشعرية لجيل السبعينيات في المشهد الليبي، وقلت فيما قلت: «أسماء كثيرة برزت خلال عشرية السبعينات، القلة فقط هي التي صمدت نصوصُها متحررة من أوبئة التقليد الأعمى. وهذه القلة لم تشكل تيارًا شعريًا، بل اتسم مسارها بتجارب شعرية منفردة، تتميز باختيار الجملة الشعرية ذات الإيقاع الموسيقي المحمل بشفافية وجدانية حارة ذات الرصانة والسبك لدى محمد الفقيه صالح، سلسة وحميمة وسرية لدى الجيلاني طريبشان، وغنائية حالمة في شعر السنوسي حبيب. (1)

في الربع الأول من العشرية الأولى للألفية الثالثة أكدتُ مجددًا، في مقالة بوسم (الشاعر النبيل)، أدرجتها فيما بعد ضمن مقترحات كتابي: «تقطير العزلة محاولة لتدوير خانة الصفر» (2)، أكدتُ على مدى أهمية التجربة الشعرية للشاعر الفذ محمد الفقيه صالح، بوصفه شاعرًا استثنائيًا؛ «يقف دائمًا على أرض صلبة، معبرًا عن قيم رصينة ومواقف مشرفة، وينشغل بالكتابة كهم حقيقي يعبر عن التحقق والإضافة، مما يشي دونما ريب بأنه شاعر خالص - متنًا وسلوكًا - لهذا ليس من المستغرب أن يكون مُقِلًّا في نتاجه، كذلك ليس من المستغرب أن يكرس انشغالًا معرفيًا بإنماء مشروعه الشعري بهدوء رصين ودربة مقتدرة، من دون أن يغفل في الوقت ذاته عن قراءة ورصد ومتابعة مجريات الحراك الثقافي، وتقفي ما يُستجد من مطبوعات ومنشورات، مع اهتمام بالغ بقراءة صحافتنا المحلية، ولا سيما لحظة أن تستوقفه قراءة مقال أو نص إبداعي، فلا يتوانى عن الاتصال هاتفيا بكاتبه وإبداء وجهة نظره». وقد برهنت رحلته بجدارة عن كونه حقًا (الفارس النبيل) الذي عاش مخلصًا في علاقته بالكلمة، يترجم شغفه بها بالطريقة التي تنسجم مع مبادئه المثلى. فأن يكون المرء نزيهًا في زمن أمسى فيه الرياء والزيف والغش من بين العملات الأكثر رواجًا، أن يكون صادقًا داخل طوفان من الكذب والخداع؛ لا ريب أنها مكابدة شرسة ستلزمه خوض معارك لا حصر لها ذودًا عن المعنى، حتى يحافظ على نقائه من آفات التلوث العام: تلوث السلوك والبيئة وفساد الكلمة والضمير.
وبذا فإنك حين تقرأ أشعار محمد الفقيه صالح ستقف على خلاصة إرث معرفي حقق توازنًا صعبًا بين البعد الجمالي للشعر من جهة، ووظائفه الاجتماعية من جهة ثانية، بحيث يستمد كل منهما حضوره من عمق ورسوخ الآخر. وبفضل هذا التكامل، سيجد القارئ نفسه إزاء كتابة ملهمة تحفزه دائمًا على اكتشاف شيء ومعرفة ما يجهل، كالبحث عن كتاب أو هدم جدار ما، أو يجدد أحلامه بحياة أخرى، أقلها أن يتذكر نفسه ويعيد صياغة حبه للجمال والخير والأمكنة والأشجار والطين وجهات الماء بكل أسمائها وإيقاعاتها. وفي الأثناء ربما سيكتب قصيدة، أو رسالة إلى حبيبته، أو يضع عنوانًا لرحلة محتملة.

ــــــــــــــــ
(1) مفتاح العماري، فعل القراءة والتأويل - الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان - طبعة أولى: 1996م.
(2) مفتاح العماري، تقطير العزلة محاولة لتدوير خانة الصفر، منشورات الهيئة العامة للثقافة، طبعة أولى: 2020م.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»