Atwasat

صعود دولة المبعوثين.. كيف انتزع مبعوثو ترامب القرار الخارجي الأمريكي من مؤسساته التقليدية؟

مصطفي الفيتوري 1 يوم
مصطفي الفيتوري

لا تستغرب إن قلت لك إن ما بين 115 و117 سفارة أمريكية، من إجمالي 193 بعثة دبلوماسية، لا تزال بلا سفراء؟ يحدث هذا على الرغم من أن الرئيس ترامب تولى الرئاسة منذ يناير 2025، أي منذ أكثر من 18 شهراً. والرئيس، كما نعلن، هو من يرشح السفراء، ويزكيهم مجلس الشيوخ، وهو إجراء يستغرق في المتوسط من ستة إلى عشرة أشهر.

قد يبدو هذا التأخير، ظاهريا، إجراءً روتينياً أو نتيجة تعقيدات بيروقراطية، إلا أنه يمثل حالة نادرة في التاريخ السياسي الأمريكي، لم تُسجل لها سابقة بهذا الحجم. بل إن الواقع يشير، في حالات كثيرة، إلى أنها إستراتيجية متعمدة يتبعها الرئيس؛ سعياً منه لفرض سيطرته الكاملة والمباشرة على السياسة الخارجية الأمريكية في مختلف أنحاء العالم، بعيداً عن الدبلوماسية التقليدية، أي نقل الثقل الدبلوماسي من وزارة الخارجية إلى البيت الأبيض.

ومنذ أن باشر مهامه في ولايته الثانية، لم يضيِّعْ الرئيس دونالد ترامب وقتاً طويلاً ليبدأ في إعادة هندسة آليات صنع القرار الأمريكي، ولا سيما في ملف السياسة الخارجية. هذه المرة، بدا ترامب أكثر تصميماً على تحييد «المؤسسة التقليدية»، التي يصفها بـ«الدولة العميقة»، ليحل محلها نهجا فرديا يعتمد على الولاء المطلق والحدس الشخصي، بعيداً عن القواعد التي أرستها واشنطن لعقود.. كيف ذلك؟ عبر المبعوثين الخاصين.

إن خضوع هؤلاء المبعوثين لسلطة الرئيس المباشرة، وتواصلهم الشخصي معه، يعفيهما فعلياً من القيود والتبعية الإدارية لوزارة الخارجية؛ التي كانت تاريخياً تمثل شريان السياسة الخارجية الأمريكية. وبذلك، تراجع نفوذ وزير الخارجية نفسه، وتلاشت «التوازنات المؤسسية» التي كانت تحكم واشنطن.

ومن المعروف، تاريخياً، أن السياسة الخارجية الأمريكية تُبنى على توازنات دقيقة، وتراكم من الخبرات تشارك فيه وزارة الخارجية، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الدفاع، مع استئناسٍ ضروري بتقديرات أجهزة الاستخبارات وأوراق مراكز الأبحاث (Think Tanks) المختلفة.

لكن في إدارة ترامب الثانية، تراجع دور الخبراء لمصلحة المنفذين؛ من فئة «نعم سيدي» الذين لا يجادلون كثيراً، وبالكاد يبدون آراءهم عند سؤالهم فقط. وأصبح القرار الخارجي يصدر من مكتب الرئيس مباشرة، متجاوزاً الخارجية، ومحولاً الدبلوماسية الأمريكية من إستراتيجية طويلة الأمد قائمة على أفضل الاحتمالات إلى سلسلة من «الصفقات اللحظية» والقرارات المفاجئة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وما يحدث في ملف السفراء، على سبيل المثال، ليس مجرد تأخير في التعيينات، بل هو إحلالٌ كاملٌ لرجال المؤسسة الدبلوماسية بآخرين من الندماء والأصدقاء والأقارب. فالمبعوثون الفعليون لترامب في أعقد ملفات العالم (روسيا، وسوريا، والشرق الأوسط، وحتى ليبيا) ليسوا دبلوماسيين متمرسين، بل هم شركاء في الاستثمارات العقارية، ورفقاء الرئيس في ملاعب الغولف؛ مثل ستيف ويتكوف، وتوم باراك، ومسعد بولس، ويتصدرهم جميعاً صهره جاريد كوشنر.

هؤلاء يمثلون الدبلوماسية البديلة، وهم لا يحتاجون إلى تزكية مجلس الشيوخ، ويدينون بالولاء المطلق للرئيس، ويترددون بانتظام على «مارالاغو» حيث يقيم.

وتكمن خطورة هذا النهج في تحويل «الدبلوماسية البديلة» من إجراء اضطراري مؤقت إلى آلية عمل دائمة وممنهجة؛ فالتهرب من شرط تزكية وموافقة مجلس الشيوخ يهدف أساساً إلى إفراغ آليات المحاسبة والمراجعة الدستورية من مضمونها، وعزل هؤلاء المبعوثين عن أي رقابة قانونية. والنتيجة الحتمية هي أنه في حال مراجعتهم أو مساءلتهم من قِبل المشرّعين سيكون ردهم الجاهز: «نحن ننفذ رغبة الرئيس»، مما يخلق تداخلاً خطيراً بين المصالح التجارية لرجال الآعمال هؤلاء وبين الأمن القومي الأمريكي.

هكذا، تلاشت الرقابة المؤسسية، ولم تعد السياسة الخارجية تُصنع بناءً على تقارير إستراتيجية، بل تُصاغ في جلسات ودية تفتقر إلى أدنى مقومات الخبرة الحكومية، مما يجعل مواقف واشنطن رهينة للارتجال، والصفقات الشخصية اللحظية.

ففي السابق، أي قبل أن يلوح في الأفق «فجر ترامب»، كانت السياسة الخارجية نتاجاً لصراعات الأفكار بين مراكز القوى؛ كما رأينا في الانقسام الحاد بين وزارتي الخارجية والدفاع قبيل غزو العراق عام 2003، أو إبان التدخل العسكري في ليبيا عام 2011، حين عارض وزير الدفاع «روبرت غيتس» العمل العسكري، بينما دفعت به هيلاري كلينتون في وزارة الخارجية.

أما اليوم، وفي ظل «دبلوماسية الندماء» الحالية، فقد حلت الثقة الشخصية محل المؤسسية، واختفت الاختلافات البيروقراطية لمصلحة رؤية أحادية تصدر من ملعب الغولف في «مارالاغو» مباشرة إلى ميادين الصراع.

إن هذا الهيكل الموازي لا يمنح الرئيس السيطرة المطلقة على التقارير الحساسة -كتلك المتعلقة بإيران مثلاً- فحسب، بل يمنحه أيضاً «حرية الإنكار» والمناورة؛ ففي حال وقوع كارثة دبلوماسية -وقد وقعت فعلاً في رئاسته الأولى- يستطيع الرئيس ببساطة التنصل من مبعوثه المتورط، بل وطرده أو شتمه علناً، وتحميله مسؤولية الفشل، معتبراً أن المبعوث متطوع أخطأ التقدير.

وقد خبرنا هذا النمط مراراً في تعامله مع دائرته المقربة؛ فالمحامي الذي كان يوماً مستودع أسراره، مايكل كوهين، تحول في لحظة تعثر إلى خصمٍ ومحل سخرية، وهدفٍ لسهام انتقادات ترامب العلنية، وهو المصير نفسه الذي يهدد اليوم أي مبعوث لا يمتلك غطاءً مؤسسياً يحميه.

إنها «دبلوماسية المقاولين» التي يمكن فسخ عقودها في أي لحظة، وتتحمل الدولة الأمريكية تبعاتها؛ فهؤلاء المبعوثون -بحكم وجودهم خارج الهياكل البيروقراطية التقليدية- يسهل الاستغناء عنهم، وتجريدهم من مهامهم بتدوينة على منصات التواصل الاجتماعي، دون أدنى اعتبار للنظم الإدارية أو الضمانات الوظيفية التي يتمتع بها الدبلوماسيون المهنيون. إنها، في جوهرها، حرب ترامب على «الدولة العميقة»؛ ولكن بمعناها السلبي الشعبوي الذي يعتبرها مؤامرة.

كما يزعم ترامب وأنصاره، في حين أن الدولة العميقة ليست شراً مطلقاً كما يُروج كثيرون، بل هي في أحد وجوهها دولة القانون، والتوثيق، والذاكرة. فمؤسسات الدولة التي تُجرد من ذاكرتها التاريخية، وتُهمش فيها الخبرات المتراكمة، تصبح عُرضة لكبوات قاتلة، ولا سيما في المنعطفات الصعبة. فالدبلوماسية التي تُدار بلا «أرشيف مؤسسي» هي «دبلوماسية اللحظة» التي تفتقر للرؤية الاستراتيجية والإرث المؤسسي؛ مما يجعل الدولة برمتها رهينة لمزاج الأفراد لا لثبات المؤسسة.

ولعل تخبط ترامب تجاه إيران، وافتقاده لإستراتيجية متكاملة للتعاطي معها، يظلان خير دليل على عواقب التخلي عن «الدولة العميقة»، ورفض التعلم من ملفاتها ودروسها المستفادة. فحين تُلغى الذاكرة المؤسسية لمصلحة الحدس الفردي، تتحول السياسة الخارجية من بناء إستراتيجي تراكمي إلى سلسلة من الانفعالات التي قد تخدم «اللقطة» الإعلامية -وترامب بطبعه مدمنٌ لأضواء الكاميرات، وشغوفٌ بتصدّر المشهد- لكنها في الحقيقة تقوض مصالح الدولة العليا على المدى البعيد.

إلا أن أخطر ما جناه ترامب على السياسة الخارجية الأمريكية هو مواقفه المتأرجحة التي زرع بها بذور الشك في نفوس حلفاء واشنطن التقليديين وأصدقائها المقربين؛ بدءاً من سلطنة عُمان، التي لطالما لعبت دور الوسيط المتزن، وصولاً إلى حلفاء شمال الأطلسي «ناتو» كبريطانيا، التي لم تسلم هي ولا ساستها من لغة الإهانة والتقريع غير المسبوقة في تاريخ الدبلوماسية.

ولكن يظل التحول الأخطر في السياسة الخارجية الأمريكية هو تلك المساحة الواسعة التي منحها ترامب لإسرائيل، ونتنياهو تحديداً. صحيحٌ أن أمن إسرائيل وتفوقها يمثلان حجر الزاوية في السياسة الأمريكية تاريخياً، إلا أن الحالة الراهنة تجاوزت كل الثوابت؛ حيث منح ترامب لنتنياهو تفويضاً مفتوحاً وتواصلاً شخصياً مكثفاً، حتى بات الرجل لا يكاد يغيب عن مشهد «مارالاغو»، إما حضوراً جسدياً أو عبر مكالمة يومية واحدة على الأقل، مما جعل السياسة الأمريكية في المنطقة تُصاغ بين شخصين، وبعيداً عن أروقة المؤسسات الرسمية.

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»