Atwasat

قواعد عشق الوز

محمد عقيلة العمامي 9 ساعات
محمد عقيلة العمامي

رواية الكاتبة التركية إليف شافاق: «قواعد العشق الأربعون»، تدور حول العلاقة الروحية بين جلال الدين الرومي وشمس التبريزي. وتتخلل الرواية أربعون قاعدة أو حكمة تنسبها الكاتبة إلى شمس التبريزي، وتتناول الحب الإلهي، والتسامح، ومعرفة الذات، والسلوك الروحي.

من أشهر هذه القواعد: «إن الطريقة التي نرى بها الله انعكاس للطريقة التي نرى بها أنفسنا. وإن الطريق إلى الحقيقة يمر عبر القلب لا عبر العقل وحده. ويمكن للإنسان أن يغير حياته تغييراً جذرياً في أي لحظة. وإن الصبر لا يعني التحمل السلبي، بل الرؤية العميقة لما وراء الأحداث.

ولا تحكم على الآخرين من ظاهر أفعالهم، فلكل إنسان رحلته الخاصة. وما لم نتعلم حبّ خلق الله فلن نستطيع أن نحب الله حقاً. وإن الوحدة والخلوة شيئان مختلفان؛ فقد يكون الإنسان بين الناس وهو وحيد، وقد يكون منفرداً وهو في صحبة الله. والكلمات التي ننطق بها تؤثر في عالمنا الداخلي والخارجي أيضاً. والعشق الحقيقي يغيّر الإنسان ويقوده إلى اكتشاف ذاته. وينبغي ألاّ تخشَى التغيير، فالحياة في حركة دائمة».

ومن الضروري التنبيه إلى أن هذه «القواعد» ليست سوى نصوص تاريخية ثابتة منسوبة إلى شمس التبريزي، بل هي جزء من البناء الأدبي والفلسفي للرواية كما قدمته الكاتبة إليف شافاق.

ما أود أن أقوله هو أن العشق ليس مقصوراً على الإنسان وحده، فلو راقبنا مخلوقات الله، فإننا سنرى الكثير مما يؤكد أنها تعشق هي الأخرى. وأذكر أنني قرأت ذات مرة رواية عن عشق الحمير، تؤكد أن الحمار مخلوق رومانسي للغاية! والمعروف عنه أنه لا يغازل أنثاه إلاّ بعدما يأخذها إلى مراح أخضر ومزهر! وأذكر أنني أخبرت صديقاً خفيف الروح والظل عن هذه المعلومة، فقال لي ساخراً ومؤكداً ما ذكرته له، إن جده حكى له عن حمار قطف (نوار بوقرعون) وقدمه من فمه إلى فم أنثاه!

ولكن علماء سلوك الحيوانات أكدوا أن الوز ليس عواماً فقط، بل عاشق أيضاً، وأنه رومانسي للغاية، وأن عشقه لا تفتر جدية غرامه! وحكى أحد علماء هذا الطير الجميل أنه راقب زوجين عاشقين من الإوز لم تفتر همتهما، وهما منهمكان في بناء عش لهما فوق جزيرة صغيرة وسط بحيرة! يقول العالم إنه ظل يراقبهما من بعيد بمنظار.

ولم يتوقف الذكر عن قطف ونقل الأعشاب من ضفاف البحيرة، فيما تواصل الأنثى بناء عش بيضاوي يقترب طوله من المتر والنصف. وعقّب عالم الوز بأنهما سيعودان إلى عشهما هذا كل سنة، ولا تقترب منه أية وزة أخرى أبداً، حتى لو تقطعت السبل بينها أو بين رفيقها وبين هذا العش.

الإوز قد يعيش حتى أربعين عاماً، ويبدأ التزاوج من بعد سن الثالثة، ويتميز الزوجان بالوفاء لبعضهما البعض، حتى إن (نورا إيفرون) - وهي الروائية والكاتبة الصحفية والمسرحية، وأيضاً المخرجة المتميزة- قالت: «إذا أردت زواجاً أحادياً فتزوج إوزة!». ويعيش الوز حتى أربعين عاماً يقضيها الرفيقان في حياة رومانسية، ويتميز ذكر الوز بأنه يتحول إلى مخلوق محارب شرس بمقدوره أن يقتل حيواناً مفترساً بضربة من جناحه إن اقترب من بيضه! إن تفانيه في حراسة بيضه، وطيرانه، وتربية فراخه والدفاع عنهم، قصص تحتاج إلى مساحة وأسلوب روائي مثير.

ولعل خرافة خالدة شهيرة هي «أغنية الإوز» التي تقول إنه فيما كان سقراط يهم بجرع السم القاتل، قال لتلاميذه المكتئبين حوله: «لا أعتقد أن الإوز يغني حين يكون حزيناً!». لكن الواقع كما قال العلماء هو أن هذا الطائر حين يحتضر، يزفر زفرة أخيرة واحدة قبل أن يموت!

ومما سُجّل عن ذكر هذا الطائر العجيب، أنه ضلّ الطريق فصدمته سيارة فنفق في الحال بلا صرخة واحدة، وظلت رفيقته المفجوعة تحرس جيفته حتى أُزيلت من المكان، بعد ذلك ذهبت إلى العش ترعى فراخها وتعلمها إلى أن طارت العائلة كلها، ولم تعد أبداً إلى حيث فقدت ذكرها!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»