Atwasat

الأبواب المشرعة!

فرج أبوخروبة 3 أيام
فرج أبوخروبة

ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح كلما تصاعد الجدل حول ملف الهجرة عبر الأراضي الليبية، وهو سؤال لا تجيب عنه البيانات الدولية ولا تعترف به الاتفاقيات المكتوبة: أين يقع الحد الفاصل بين حق الدولة في صون تركيبتها السكانية وواجبها الأخلاقي تجاه من تطردهم الحروب والمجاعات نحو حدودها؟ ليبيا اليوم مجبرة على الإجابة عن هذا السؤال في وقت لا تملك فيه لا الأدوات ولا الهدوء الذي يستلزمه.

الأزمة في جوهرها ليست أزمة أرقام أو تدفقات بشرية يمكن ضبطها بقرار، بل هي أزمة موقع. فليبيا تقع على تقاطع جغرافي لم يكن يوماً هبة تاريخية، بل تحول تدريجياً إلى عبء استراتيجي تتقاسم أطراف دولية متعددة أدواره دون أن تتقاسم تبعاته. أوروبا تريد حارساً رخيص الثمن يستوعب الصدمات الديموغرافية نيابة عنها، ودول المنبع الأفريقي عاجزة أو غير مبالية، والمنظمات الدولية تصدر تقارير الإدانة بيد وتمول الاحتجاز باليد الأخرى، وليبيا تجد نفسها في عين هذه العاصفة دون بوصلة سياسية واضحة.

ما يزيد المشهد تعقيداً أن ليبيا تواجه منظومة من الالتزامات القانونية صيغت في عالم آخر. فمصادقتها على الاتفاقية الأفريقية للاجئين عام 1969 جاءت في سياق كانت فيه تدفقات اللجوء محدودة ومرتبطة أساساً بدعم حركات التحرر، لا بتحركات بشرية كبرى تعبر صحراء شاسعة لا دولة تسيطر عليها فعلياً. وإن كان القانون الدولي يتيح مراجعة الالتزامات عند تغير الظروف الجوهرية، فإن هذا لا يعني تفويضاً مطلقاً بتجاوز معايير الحماية الإنسانية الأساسية. الفارق بين تعديل الالتزام وإلغاء الحماية فارق جوهري كثيراً ما يختفي في حرارة الخطاب السياسي.

في مقابل هذا النفاق القانوني الذي تمارسه بعض الأطراف على ليبيا، ثمة نفاق أوروبي موثق لا يقل خطورة. فبروكسل تمول مراكز الاحتجاز داخل الأراضي الليبية بيد، وترفض استقبال طالبي اللجوء على أراضيها باليد الأخرى، وتضغط في الوقت ذاته لإنشاء نقاط فحص الطلبات على الشواطئ الليبية. هذا النمط ليس تعاوناً بل توظيف ممنهج، وليبيا تدفع ثمنه وحدها، بينما تكتفي المفوضية الأوروبية بتصريحات القلق الإنساني.

أما البعد الأمني فهو الأكثر حضوراً في الخطاب الليبي الراهن، والأكثر حاجة إلى تدقيق. المخاوف من التدفقات غير المنظمة في بيئة مسلحة وهشة مؤسسياً مخاوف حقيقية لا يمكن تجاهلها، لكن تحويل هذه المخاوف المشروعة إلى وصف الوافدين بوصفهم خطراً وجودياً أو وقوداً محتملاً للصراع هو قفز من التحليل إلى التحريض. الفارق الذي يرسمه علم الاجتماع الأمني بين مخاطر الفراغ المؤسسي وخطورة المجموعة البشرية في حد ذاتها فارق جوهري يختفي حين تحل الشعارات محل السياسة. والحل الأمني الحقيقي لا يبدأ بالإقصاء بل بالمؤسسة: منظومة تسجيل فعالة، وتعاون مع دول المنبع، وضبط حقيقي للحدود الجنوبية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تروج أطراف غربية لسردية مفادها أن ليبيا بحاجة إلى هذه العمالة لإعادة إعمارها، وهي سردية تحمل قدراً من الصحة، لكنها تتجاهل عن قصد أن اقتصاداً ريعياً يعتمد على النفط، وبنية تحتية مصممة لطاقة استيعابية محددة، وغياباً تاماً لأي منظومة ضريبية رقابية، لا يمكنها استيعاب تدفق عشوائي وتحويله إلى رافد تنموي. العمالة المنظمة عبر اتفاقيات واضحة شيء، والفوضى البشرية شيء آخر، والخلط بينهما ليس سهواً بل هو في الغالب اختيار مقصود.

والشعب الليبي لا يحتاج إلى من يذكره بواجب الضيافة، فالذاكرة التاريخية حاضرة وراسخة. لكن الذاكرة الأخلاقية وحدها لا تصنع سياسة، وإلا تحولت إلى أداة استغلال في يد من يعرف كيف يوظفها. وتجربتا الأردن ولبنان مع اللاجئين السوريين تكشفان بجلاء أن الدول التي تحملت أعباء الهجرة الكبرى دفعت ثمناً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً لا يزال يلقي بظلاله حتى اليوم، في حين كشفت تجربة تركيا أن توظيف هذا الملف ورقة ضغط أوروبية ممكن حين تمتلك الدولة إرادة سياسية متماسكة.

الخروج من هذا المأزق لا يكون بالانغلاق الكامل ولا بالانفتاح العشوائي، فكلاهما إفلاس سياسي بأثواب مختلفة. ليبيا تملك من الأوراق الجيوسياسية ما يجعل مفاوضتها الأوروبية من موقع ندية لا استجداء، لكن هذا يستلزم خطاباً دبلوماسياً موحداً وإرادة سياسية فعلية لا بيانات. كما أن أي اتفاقية هجرة حقيقية ينبغي أن تتضمن استثمارات في دول المنبع الأفريقية لقطع التدفق من جذوره، لا تمويل الاحتجاز داخل ليبيا وكأنها شرطي أوروبا المناوب على ضفاف المتوسط.

ليبيا لا تحتاج إلى أن تختار بين إنسانيتها وسيادتها، فهذا الثنائي الزائف هو بالضبط ما تريد أوروبا فرضه، لأن كلا الخيارين في نهاية المطاف يخدمها. المطلوب هو فرض خيار ثالث: دولة تحمي حدودها بمؤسسات لا بخطاب، وتدير هذا الملف بسياسة واضحة لا بردود أفعال، وتفاوض شركاءها من موقع من يعرف ما يملك لا من يخشى ما يفقد. هذا الخيار لن يمنحه أحد لليبيا، عليها أن تصنعه.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»