Atwasat

«لَحْمَة وُكّالي»

جمعة بوكليب 1 يوم
جمعة بوكليب

لكلّ امرئ من اسمه نصيب، هذا ما يؤكده قولٌ مأثور. لكن كما أن لكل قاعدة استثناء، كانت بنت شارعنا القديم المسمّاة جميلة استثناءً. فهي، لسوء حظّها، لم تكن اسماً على مُسمّى، ولا ينطبق عليها ذلك القول المأثور. كلما وقفت أمام مرآة ولو صدفة كرهت صورتها، وتمنّت لو أن المرايا تتعلم الكذب. جميلة لم تكن جميلة، كانت، استناداً لوصف إحدى الجارات: «لَحْمَة وُكّالي». ذاع ذلك الوصفُ وشاع بين بيوت الشارع وسكانه حتى صار كنيتها.

«لَحْمَة وكَّالي» في تلك المنطقة من طرابلس، في ذلك الشارع القديم، تعني أن حُكماً بإدانة قد صدر ضد جميلة بالبقاء في بيت والديها عدداً من السنوات أكثر من غيرها من بنات الشارع، قبل أن يقوى سعدها وتطرق باب بيتهم يدُ خاطبة.

الخاطباتُ أنواع. هناك خاطباتٌ من عجائز الجيران، يسكنّ في نفس الشارع. وهؤلاء من المستحيل أن يكنّ من بين الطارقات لبيت جميلة. اللحمة الوكّالي كانت في شارعنا أو الأحياء المجاورة وقتذاك مزهوداً فيها. هناك خاطبات من أحياء وشوارع أخرى قريبة وبعيدة. وهؤلاء من الممكن، لو انعدمت الفرص أمامهن، أن تفكر إحداهن في طرق باب بيت جميلة ذات يوم، نتيجة ضغوط أهل الخاطب. وهناك خاطبات كأنهن هبطن من سماء سابعة، لكنهن لا يفكرن مطلقاً في الاقتراب من شارعنا القديم ترفُعاً.

الترفّعُ وإن كان مذموماً منذ غابر الأزمان، إلا أنه حقيقة معيشة لا يمكن تجاهلها. قرأنا في كتب التاريخ عن ترفع الملوك قديماً وحديثاً. وعرفنا ترفع الأثرياء من محدثي النعمة. وتعايشنا، جنباً لجنب، مع ترفع أبناء (العوائل المتسمّية). ورأينا ترفع أصحاب المراتب والوظائف العليا. وضحكنا على ترفع من نوع مختلف قائم على «فاشوش». ترفّعُ الجميلات هو الترفع الوحيد الذي من الممكن القول «بالفم المليان» بأنه نجا من الذم، وحظي على مر العصور بالقبول والاحترام والتبجيل والذكر.

جميلة، بنت شارعنا القديم، تعرف قدرها كويس ولا تتجاوزه. فهي، مثل بقية بنات الجارات كانت تسمع كل ما يقال عنها. في شارعنا القديم لم يكن هناك مكان لمقولة البيوت أسرار. البيوت كانت كلها مفتوحة على بعضها. لكن جميلة لحمه وكّالي تعلمت بمرور الوقت ألا تبدي مبالاة، وكأن الكلام الذي يدور حولها يتعلق ببنت ثانية. وصل الأمر بها أحياناً إلى الضحك بما يشبه البكاء على ما يصل سمعها من أقاويل عنها وحولها. وسُمعتْ عدة مرّات تقول بصوت مسموع إن النصيب حين يقرر المجيء إلى بيت بنت يعرف الطريق والعنوان، ولا ينتظر توصية من أحد. وهو رد لا يخلو من حكمة وقدرية وعزيمة في آن. لكنه، بين قوسين، كلام المغلوب.

النصيب المأمول، والسعد المفقود، ظل بعيداً عن بيت جميلة من دون البيوت الأخرى. وجميلة ظلت بعيدة عن اهتمام الخاطبات رغم أنهن يكثرن من المرور بجوار البيت، ويتوقفن أحياناً للهدرزة. بمرور الوقت، وتبدل الفصول، وتقادم العهد، فقدت جميلة، بحق وحقيق، الأمل في وصول النصيب، وأدركت أنه أسقط اسمها من قائمته الطويلة، وانشغل عنها بالذهاب إلى طَرقِ أبواب بيوت بنات أخريات صغيرات، ولسن مثلها لحمه وكّالي، واستسلمت لقدر فداحة العنوسة.
العنوسة أنواع. هناك عنوسة مقررة بالولادة، لتشوه في الخلقة، أو عاهة في البدن. وأخرى ناجمة عن «ذهاب شيرة» الرجال، ولهاثهم المعروف وراء الجميلات الفاتنات أينما كنَّ. عنوسة جميلة تصنّف تحديداً تحت فئة: لَحْمَه وُكّالي. وهي فئة غير مطلوبة في سوق الخاطبات.

جميلة رحلت ولم تعد. ومن يدري، ربما في شارعها الجديد وجدت من لا يعرف كنيتها. أما في شارعنا القديم فقد بقيت «لحمة وكّالي» حاضرةً حتى بعد رحيلها، شاهدةً على أن الذاكرة الجماعية لا ترحم، وأنها دائماً تحفظ ما كان الأجدر بها أن تنساه.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»