Atwasat

شوق إلى بالقاسم المزداوي

سالم العوكلي الثلاثاء 09 يونيو 2026, 06:51 مساء
سالم العوكلي

«ليبيا طفلة ماكرة
قابلتنا بشراسة في نصف الرحلة الأولى
لتغفو كقطة سيامية في كهوف الجبل الأخضر
هيا قومي يا ليبيا ناوشيني قليلاً
كي أغيظك كثيراً وأحبك أكثر
اكتبيني حرفاً في كراستك الصغيرة
واطلقيني أشواقاً حارة وفراشات
ملونة للأصدقاء في البلدان البعيدة
ارسميني أخدوداً على وجه يوسف
المكابد لتعب الرحيل بعينين ترنوان
من فوق سطوة العمر للمحطة القادمة
ضميني يا ليبيا يا أمي وقت الجد واللعب
ولا تنسي بأنك الطائر الذي سيُبعث من الرماد
يا بلادا دونها أي بلاد»
الشاعر أبوالقاسم المزداوي

من قصيدة (عروس الياسمين) التي يهديها الشاعر أبوالقاسم المزداوي إلى يوسف الشريف وليبيا المسماري، يرصد فيها أوجاع ولذات رحلة برية من طرابلس إلى درنة التي ينعتها بعروس الياسمين، في زمن كان الطريق متاحاً، وكان الحلم سارياً بأن ليبيا ستنهض كالفينيق من رماد السنين العجاف، وكأي شاعر من جيله كان المزداوي حالماً بشدة وهو يغوص في تفاصيل اليوم والمكان بقصائده التي لا تعكس نكهة المرارة فيها روحه المحبة للضحك والفكاهة، وبنبعٍ من الضحك في داخله لا يجف كان قادراً دوماً على ترويض مشقة رحلاتنا البرية صوب الشعر في هذه البلاد الشاسعة القاحلة التي أحبها بطريقته وهو في ذروة الشك أنها تبادله هذا الحب الأكبر من غضبه المكبوت منها.

وليبيا تعني للشاعر بالقاسم الأصدقاء المنفيين في الداخل أو من يبعث لهم فراشات الشعر من أصدقائه الذين أصبحوا في بلدان بعيدة، وطيلة هذا الحب الممزوج بالغضب لم يفقد إيمانه بأن ليبيا ستُبعث من تحت الرماد في هذه القصيدة التي كتبت في مطلع الألفية الثالثة، ورحل الحالم جداً قبل أن يرى قيامة ليبيا وقبل أن يرى لصوص حلمها وحلمه، لكنه ترك تعويذته التي كم قاوم بها وبالضحك أضغاث اليأس التي ما فتئت تتسرب إلى قصائده، وما كفت عن عبثها بفكاهاته المطعونة بالخوف من القادم، وهي الطفلة الماكرة التي لا يستطيع إزعاجها له أن يقوض ما فيها من جمال يقتنصه في القصائد المهداة لها وللأصدقاء الذين يشاركونه غبطة هذا الشغف بالوطن.

حين قابلته للمرة الأولى، بداية التسعينيات من قرن مضى في مهرجان المدينة ببنغازي، أحسست بعد دقائق كأني أعرفه من سنين، لأنه دائما كان يَخبر أقصر الطرق إلى قلوب الآخرين عبر رنين ضحكاته وإطلاق سراح كل ما في داخله من ألفة ومرح دون توجس. الآخرون الذين حتى لو غادر وعيهم لن يغادر وجدانهم .. وما الذي يولد الألفة بسرعة البرق أكثر من إنسان همه أن يضحك وينقل عدوى الضحك للآخرين. كان يضحك وعلى ظهره سنم من الدموع كما يقول محمد الماغوط.

وطيلة تلك الفترة كنت دائماً قريباً من بالقاسم المزداوي الإنسان ومختلفاً معه في كثير من الآراء المتحمس لها، وهو الاختلاف الذي كنا نحيله إلى ملعب للتهكم وإنتاج الفكاهة، ولم يؤثر في علاقتنا بل كان يزيدها قوة، واستطعنا عبر هذه الأمواج المتلاطمة على شاطئ هادئ أن نعمق هذه العلاقة وأن نتبادل التعليقات المستفزة والشتائم بغبطة تتبعها قهقهة تحيل كل ما نختلف حوله إلى رذاذ حميم. وكلما وصلت مطار مدينة طرابلس كانت أصابعي تبحث عن رقمه إلى رقمه في الموبايل لأخبره أنني هنا، ولم أجد تفسيراً لهذا السلوك التلقائي سوى أن من يحط في مدينة مثل طرابلس، مزدحمة، ومخنوقة، والجميع فيها مشغولون، يحتاج إلى الشخص الذي أصبح في خلال عشر دقائق من التعارف صديقاً والذي سيترك كل ما بين يديه ليأتيك أينما أنت. صديق يستطيع بروحه المنسابة دون تحفظ وبكيميائه الخاصة أن يمسح عنك وعثاء الرحلات المضنية في هذه الأرض الوعرة.

سيطرته على الجلسات لا تزعج أحداً، وحتى قَطْعُه للحديث دون أن ينتبه لا يزعج أحداً. مرحه جميل وغضبه دائما مهدد بأول نكتة، وشكواه من القسوة لا يفتأ أن يتحول عتاباً.

حينما كنت أهاتفه من درنة وأشتمه دون أن أُسلّم أو أقول مرحبا كان يضحك، لأنه يعرف أني لن أطلب منه شيئا ينجزه في طرابلس، أما حين أبادره بعبارة: أهلا يا أستاذ بالقاسم. يرد مباشرة: هيا قول شن تبي من طرابلس! ونضحك معاً، وطيلة تلك السنين كان هذا اتفاقنا وكانت لعبتنا، وكنا لا نمل منها لأنها تؤكد مراراً علاقة مفتوحة تغدو الإشارة لغتها. بحبور كان يحدثني كثيراً عن معجزاته الصغيرة التي تشبه حس المفارقة في قصائده دون أن يخفت إيمانه بأن الإيمان هو حصنه من شعور بالإحباط يراوده.

حدثني مرة بحماس عن إحدى تلك المعجزات أو الكرامات في يوم جمعة كانت تهب فيه القبلي بضراوة والغبار يحجب الرؤية في شوارع طرابلس، وأنه تردد في الذهاب إلى المسجد لتأدية الصلاة لأنه لا يملك سيارة، ثم خرج وقرر أن يشق ذاك الغبار صوب الصلاة، وقال لي بمجرد أن خرجت ظهرت سيارة مازدا مكيفة للتوقف بجانبي وتقلني إلى المسجد. ومن أجل استفزازه الذي أعشقه ألفت حكاية فورية، قلت له حصل معي الحظ نفسه وكان يوم قبلي ملتهب لكن الفارق أن السيارة التي ظهرت من الغبار لتقلني كانت مرسيدس مكيفة وكنت ذاهباً لموعد مع حبيبتي. ونجح الاستفزاز بدليل ضحكته التي أعقبها بقوله عليك اللعنة ياعوكلي. وقلت له للشيطان أيضاً خدماته الخمس نجوم، وختم ضحكته العالية بقوله: لا يؤاخذكم الله باللغو ...
بالقاسم لم يعد في طرابلس، وطرابلس يبكي فيها الضحك، وظل رقمه كما هو في موبايلي وحين زرت طرابلس للمرة الأخيرة العام 2012 اتصلت بالرقم الذي أعرف أن الضحك انطفأ فيه وغمرني حزن هائل لأنه لم يعد هناك، وكي أتجاوز تلك اللحظة استدعيت ملامحه الضاحكة دائما في كل مكان، وما كنت أملك غير هذه التقية كي أروض فجيعة فقد صديق غادر الدنيا بالسرعة نفسها التي يدخل بها القلب.

ماذا سأقول له الآن وهو هناك، ربما يضحك الملائكة التي كانت تضحكنا صغارا، ماذا أقول له عن بلدته مزدة الفخور بها وبما تنجبه دائما من مبدعين، بلدة بالقاسم وحسين المزداوي وأحمد إبراهيم الفقيه وغيرهم ممن عانقوا الوطن بوجدانها وإلهامها، وماذا سأقول له عن طفلته الماكرة وأمه ليبيا؟ ماذا أقول له عن وطن طالما كان نرجسيا في قصائده، وهل سيكفي حبه للفكاهة والمرح لترويض كل الحزن الذي يلوح في عيون الليبيين، بعضه خيبة وبعضه ندم، وكثير منه غضب مكبوت من كل من سرقوا الفرح وحس الفكاهة والأمل من شعب خرج يوما إلى الميادين ليشعل فتيل الحلم فاشتعل فتيل بارود وفتن وانقسامات.

كان صديقي وصديق الجميع بالقاسم المزداوي مزيجاً رائعاً من الورع والحب والغضب الذي يكتب به قصيدته النثرية، ومن الحزن بعد فراق أم أبنائه الذي ما استطاع أن يتغلب على حسه الفكاهي ولا على رغبته في إضحاك من حوله رغم ما يثقل قلبه.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»