Atwasat

الحفر في الذاكرة الليبية: أضواء وظلال على

محمود أحمد أبوصوة 3 ساعات
محمود أحمد أبوصوة

لقد ضمنتُ في أحد فصول كتابي (حفريات في الانسداد: ليبيا أنموذجا، الصادر عن دار الرواد مطلع سنة 2026)، وتحديدا في المبحث الثالث من الفصل التاسع الموسوم بـ "الزمن الحديث: السلطنة الثكنة زمن الاحتلال الإيطالي"، ملاحظات حول كتاب الباحث الليبي الدكتورمصطفى يونس المنفى الذهبي: بالبو في ليبيا...أضواء وظلال، طرابلس، دار الفرجاني،2022،(320 صفحة)؛ وهي ملاحظات لا ترقى في تقديري لتكون مراجعة شاملة للكتاب.

ودعني، بادئ ذي بدء، أُذكّر نفسي قبل غيري بأن "المراجعة" تختلف عن "العرض"؛ فبينما يهدف الأخير إلى تقديم ملخص عام للمحتوى، تُعد الأولى تقييما نقديا؛ وبذلك يمكن القول بأن العمليتين مكملتان لبعضهما البعض، لكنهما، وعلى عكس ما يعتقده البعض، غير مترادفتين؛ ففي الوقت الذي تنصب فيه وظيفة المراجعة بالكامل على التحليل والنقد الموضوعي من ناحية، وعلى إبداء الرأي الشخصي المدعم بالأدلة من ناحية أخرى، تكاد تختزل وظيفة العرض في عملية تقديم مختصر ووصفي للأفكار الرئيسية دون الدخول في تقييم نقدي عميق.

خلاصة القول: إن عرض الكتاب هو بمثابة خارطة طريق (عرض المحتوى)، بينما مراجعة الكتاب فمساءلة المحتوى. والمساءلة ليست مجرد كشف للأخطاء بقدر ما هي فعل إبداعي؛ فالنقد بهذا المعنى، عمل لا يقتصر على رؤية المشكلات فحسب، بل يشمل أيضا اقتراح وتطوير حلول، مما يُظهر فهما عميقا للعمل الأصلي مع المساهمة في تحسينه.

وهذه العقلية تجعل الناقد لا فحسب جزءا من المشكلة عبر تحديد الخطأ، بل وأيضا جزءا من الحل بالإسهام في خلق شيء جديد؛ وهو ما نبه إليه، ومنذ زمن بعيد، الفيلسوف ورجل الدولة الروماني شيشرون (106–43 ق.م)، بتأكيده أنه ينتقد من خلال الإبداع لا من خلال البحث عن العيوب.

ورغم تعقيدات عملية المساءلة في الأزمنة الحديثة، فما يزال النقد يتركز في عنصرين على الأقل: 1- التفكيك في مرحلة التحليل، 2- التركيب في مرحلة المقارنة. بناء عليه، قد ينتهي الباحث-الناقد إلى اقتراح قراءة مغايرة هدفها تحسين القائم لا هدمه، ذلك أن النقد في جوهره "توليف" يمزج بين الضدين: التفكيك والتركيب.

وبهذا المعنى، يسهل التمييز بين النقد بوصفه بناء معرفيا منطلقه مراجعة الأفكار، و"الانتقاد" الذي يكاد يتحول إلى شخصنة تكاد تقترن، بتعبير عالم السياسة الأمريكي لانس بينيت (W. Lance Bennett )، بالتفكك الاجتماعي وتراجع الولاء للمجموعة؛ وهذا التغير قد يؤدي في تقديري إلى ظهور مرحلة "الشخصنة السياسية" التي يُزاح خلالها العمل الجماعي ليحل محله الفعل الفردي.

والفعل الفردي بالمناسبة ليس شرا؛ ففي بعض السياقات قد تعكس الشخصنة تحولا نحو الفردانية السياسية والتي لا تقود بالضرورة إلى تفكك سلبي ذلك أن الفردانية السياسية، شديدة الارتباط بالمواطنة، لا تعني الانعزال التام؛ ففي حين تركز الفردانية على الذات، تدمج المواطنة هذه الذات في الجماعة السياسية بطريقة تحفظ الحقوق دون الانفصال عن المسؤوليات العامة. تأسيسا على ما تقدم، يمكن استثمار فهم بينيت للشخصنة عند تفكيك الرواية التاريخية؛ فباعتبار التاريخ في تقدير البعض "سياسات الماضي"، وفي تقدير غيرهم "علم اجتماع الماضي"، قد يسهم مفهوم الشخصنة في تنمية المعرفة التاريخية وفق مقاربة تقوم على التناغم لا على الثنائيات.

غير أن الملاحظ على معظم الدراسات التاريخية المحلية أنها درجت، وبحكم الدربة العلمية المتواضعة، على ألا تقيم وزنا لمثل هذه الفروق المعرفية الدقيقة؛ ما انتهى بها إلى عدم التمييز بين ما يمكن اعتباره شخصنةً "حميدة" وشخصنةً "غير حميدة". فالشخصنة ، كما أسلفت، ليست كلها شرا، وأكاد أجزم أن تحولها إلى أداة سلبية يكمن في عملية الانتقاء غير الواعي؛ وهو انتقاء انتهى بالدارسين إلى عزل فعل الشخص (إيتالو بالبو، أحد قادة الفاشية الإيطالية مثلا) عن فعل المنظومة (الفاشية في هذا السياق).

فعندما يتم التركيز، على سبيل المثال، على شخصية "بالبو" بوصفه الطيار المغامر أو الإداري المعتدل مقارنة بغراتسياني، يقع المنظور المعرفي في فخ الثنائيات (المحتل الشرير غراتسياني مقابل المحتل المعتدل بالبو)؛ ما يقود بالضرورة لظهور شخصنة تضليلية تُستخدم فيها السمات الفردية لعزل الفاعل عن "الأسباب الموضوعية"، أي المشروع الاستعماري الكلي. وهذا الفصل هو ما سمح للذاكرة الإيطالية بتقديم بالبو كـ "بطل معاصر" منفصل عن الأيديولوجيا الإجرامية.

والمفارقة أن السرديات المحلية تكاد، ومنذ انقلاب سبتمبر 1969، تتبنى عملية الفصل ذاتها وبحذافيرها؛ وهو فصل تبناه رئيس الانقلاب وفرضته مؤسساته لاحقا على الباحثين. فالمتمعن في السردية المحلية طوال فترة حكم القذافي، خاصة بعد تأسيس مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية (1978)، يتبين له أن الفرضية المهيمنة على السردية المحلية تكاد تكون صدى لأيديولوجية الزعيم. ومشكلة السردية التاريخية المحلية لا تكمن في تسييس البحث العلمي أو سيره خلف راية الدولة، فمعظم باحثي العالم يفعلون ذلك، بل تكمن في الامتثال المطلق لما يراه رافع الراية (الزعيم)؛ وهو زعيم اشتهر بعدم الالتزام بأيديولوجية بعينها؛ فهو عروبي تارة، وإسلامي تارة ثانية، وأفريقي تارة ثالثة، وعالمي تارة رابعة. ورغم أن هذه الأيديولوجيات قابلة للتعايش موضوعيا، إلا أنها لم تنتج معرفة تاريخية حقيقية لأنها كانت فوق النقد والمراجعة؛ فنقد أيديولوجية الزعيم كان يُعد نقدا لشخص الزعيم نفسه.

هكذا يمكن القول بأن السردية المحلية، باستثناء سردية الجهاد ضد الغزو الإيطالي، كانت باهتة؛ لا بسبب افتقار البلاد لمدرسة تاريخية وحسب، بل ولأن تاريخ البلاد كله اختُزل في رمزية الزعيم؛ تلك الرمزية التي تكفل "مثقفو السلطة" بنشرها بين عوام هم بطبيعتهم عازفون عن القراءة. والنتيجة كانت استعادة ثقافة تمجد "الفرد الخارق"، الذي اختزله المثل الشعبي في مقولته "فرد يُحيي قبيلة، وقبيلة لا تُحيي فردا. " والجدير بالتنويه أن هذا التحول لم يتم دفعة واحدة بل على مراحل؛ ففي السنوات الأولى للانقلاب لُقب معمر القذافي بـ "الأخ" (أي أخ لكل الليبيين)، وهو لقب سرعان ما حل محله لقب "أمين القومية العربية"، الذي تم التخلي عنه بعد عودة العلاقات الليبية–المصرية سنة 1989 إثر انقطاع دام حوالي اثني عشر عاما. وفي بداية التسعينيات، تحديدا عام 1992 حين أُستبعد الرائد عبد السلام جلود من المشهد السياسي، صار اللقب الرسمي "القائد". والمفارقة أن ألقاب القذافي لم تعرف توقفا حتى بعد غيابه؛ فأنصاره ما انفكوا منذ مقتله يذكرون بألقابه السابقة مثل "مهندس النهر الصناعي العظيم" و"ملك ملوك أفريقيا"، بل ومنحوه لقبا جديدا هو "الشهيد الصائم".

وهذه الصنمية المسكوت عنها لا يمكن عزوها بالكامل لمسألة امتثال البحث العلمي للسلطة (الراية) أو للشخصنة، رغم أهميتهما، وإنما لعزوف معظمنا عن مراجعة ثقافتنا السياسية؛ وهو عزوف تسبب في إضفاء قدسية عابرة للزمن على كل رموز الماضي. والمقصود بالقداسة في هذا السياق هو تحول المدنس (الحاكم الشرير) بعد وفاته إلى صنم يُعبد! ولمن لا يعلم، فإن الصنمية (Fetishism) تختلف عن الوثنية (Idolatry)؛ فبينما تعني الوثنية عبادة الذات لذاتها، تعني الصنمية إضفاء قوى سحرية على "أشياء" أو "أشخاص" من الماضي لاعتقادنا أنها تملك الحل السحري لمعضلات الحاضر. فالحاكم في ليبيا (إدريس أو معمر) لا يُعبد كإله، بل يُستدعى كـتميمة (Fetish) يُعتقد أنها كانت تمسك لجام المجتمع. هذا التقديس العابر للزمن يجعل من المستحيل نقد الماضي بموضوعية، لأن النقد هنا يُعد "تدنيسا" للمقدس. وهيمنة الماضي "بجميع شروطه" ليست خصيصة محلية؛ فتقاليد جميع الأجيال الغابرة، كما يقول ماركس في مقال الثامن عشر من برومير، تجثم كالكابوس على صدور الأحياء. وأزعم أنه كما فعل الفرنسيون حين استعادوا رموز ثورتهم الأولى (1789) ليداروا بها عجزهم في 1871 (كومونة باريس)، ما انفك الليبيون يستعيدون رموز الجهاد والعهد الملكي أو الجماهيري ليداروا عجزهم الراهن عن ابتكار "عقد اجتماعي" جديد يناسب القرن الحادي والعشرين.

ومن نافل القول أن القصور المعني في هذا السياق لا علاقة له بجيناتنا، بل بدربة علمية متواضعة وبثقافة سياسية يمكن وصفها بالمشوشة؛ والسكوت عن بنية هذه المعرفة التي يمكن وصفها بالمحلية جعل الحنين للماضي لا يعود إلى الحياة وحسب، بل ويكاد يختزل تاريخ البلاد في رموز وافدة وأخرى محلية. وعلى المستوى الشخصي، فإني لا أرى ما يستوجب التمييز الحاد بين رمز وافد وآخر محلي ما دامت الهوية واحدة، وأعني بها الهوية الترابية.

وبناء عليه، أكاد أجزم أن حرص معظمنا على التمييز بين الوافد والمحلي جعلنا نتعمد القفز، في مجال الثقافة السياسية على الأقل، فوق تأثير السابق (فاشية موسوليني مثلاً) على اللاحق (اشتراكية القذافي). صحيح أن القذافي فضل المؤامرة (الانقلاب) على الدولة (العمل المؤسسي)، لكنه عجز، رغم احتلاله الكيان السياسي، عن التحرر من مفهوم "الدولة-الأمة" التي فرضها الغرب المنتصر عقب الحرب الكونية الثانية على النخب السياسية المحلية.

وللتذكير، فإن الالتزام بأنموذج "الدولة-الأمة" شمل القوميين والإسلاميين على حد سواء، رغم اختلاف دلالة مفهوم "الأمة" لدى الطرفين؛ ففي حين يشكل "العرق" (العربي، التباوي، التارقي، الأمازيغي) الرابط المشترك للقوميين، يشكل "الدين" الرابط المشترك للإسلاميين.

وأجادل أنه بسبب اختلاف دلالة مفهوم الأمة، تضاعف الغموض حول مفهوم الدولة، رغم امتثال القوميين والإسلاميين معا لبعض مبادئ وعقيدة وأيديولوجيا "اليعاقبة"؛ والمتمثلة في التمسك الصارم بالمركزية الإدارية، واللجوء لآليات العنف السياسي المنظم لحماية الكيان السياسي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»