منذ عقود خلت كانت تُثار، بين مناسبة وأخرى، هُوية ليبيا الجغرافية بين بلاد المشرق وبلاد المغرب، فكان تاريخ «المكان» على الجغرافيا القديمة يحسم النقاش، حيث كانت «ليبيا» هي الاسم التاريخي لمنطقة الشمال الأفريقي بأسره قبل رسم الحدود العثمانية وبسط الهيمنة السلطانية على مجتمعات المنطقة، وهي الحدود التي أصبحت لاحقاً معياراً للحقبة الاستعمارية الناتجة عن الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية العام 1923.. فكانت ليبيا الفقيرة حينها، وبمساحتها الشاسعة، هدفاً للاحتلال الإيطالي وللنفوذ البريطاني والفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية وتقسيمها العام 1943 إلى ثلاث ولايات سياسية قزمية حتى لا تقوم الدولة «الوطنية» الواحدة بموقعها الاستراتيجي بين المشرق العربي ومغربه!
ذهب الاستعمار وبقيت هُويات الأقاليم الثلاثة. فتأثرت ولاية «برقة» بالثقافة المشرقية، خاصة المصرية واللبنانية، من خلال البعثات التعليمية وانتشار الأدب والفن المشرقي عبر الصحافة والإذاعة والمكتبات والمراكز الثقافية، وتأثرت ولاية «طرابلس الغرب» عبر البوابة التونسية بفضاء الثقافة المغاربية، بينما ظلّت ولاية «فزّان» في الجنوب مفتوحة على العُمق الأفريقي من خلال الوافدين بثقافات الأقليّات وهُوياتهم.. وكان التأثير الأهم في التحوّلات «الديموغرافية» قد تكوّنت بصورة طبيعية عبر المصاهرات العائلية بين مختلف المجتمعات، وهو الامتداد الاجتماعي لعدد من قبائل برقة في مصر، ومن عائلات الغرب في تونس، وفي فزّان مع الطوارق والتبو الوافدين من النيجر ومالي وتشاد.
اللافت أن ليبيا على الخريطة الجغرافية تتوسّط بلاد المشرق والمغرب، ممّا يمنحها هذا التميُّز السياسي والاجتماعي بوصفها دولة «جامعة» بين الجناحين العربيين. فكادت تنجح، عبر محطات مهمة من الزمن، في أن تحتضن الحُلم العربي الواحد الذي هتفت به الجماهير العربية عبر مسيرات الوجع العربي: «من مراكش للبحرين، شعبٌ واحد لا شعبين».. وهو ذاته الهُتاف والحلم الذي جعل من القاهرة عاصمة للقومية العربية، وجمع عمالقة الغناء بقيادة الموسيقار «محمد عبدالوهاب» في النشيد الملحمي الكبير «الوطن الأكبر»، تعبيراً ولحناً وإيماناً بفكرة «الوحدة العربية» التي تتجاوز الجغرافيات والحدود المصطنعة!
كان الطرح الأعمق في هذا السياق المعرفي ما تبنّاه المفكر المغربي «محمد عابد الجابري» والمفكر المصري «حسن حنفي» في حواراتهما الفكرية حول المشرق والمغرب العربيين، ومحاولة تفكيك الاختلاف الثقافي بين مسألتي «عقل مشرقي» تشكّل في بيئة النصوص والسلطة المركزية، و«عقل مغاربي» تأسّس على النقد والفلسفة والتعدُّد.. غير أن ذلك الحوار الفكري العميق الذي نشِر على حلقات في الثمانينيات بمجلة «اليوم السابع» ثم في كِتاب عام 1990 لم يُبنَ عليه مشروع ثقافي عربي حقيقي، إذ طغت الأيديولوجيات السياسية على فكرة الوحدة، فتحوّل المشروع العربي من مشروع حضاري وثقافي إلى صراع أنظمة وزعماء أمّة، من جمال عبد الناصر إلى معمر القذافي إلى هواري بومدين إلى حافظ الأسد وصدام حسين وعلي عبد الله صالح، وغيرهم من قادة تلك المرحلة «القوميّة».. ولعلّ المعضلة التاريخية الكبرى أن العرب تعاملوا مع «الوحدة» باعتبارها مشروع سلطة لا مشروع حضارة، ولذلك فشلت. بينما نجحت في أوروبا لأنها بدأت بالفكر والفلسفة والاقتصاد والجامعات وحرية التعبير.
لقد ظل المشروع العربي، رغم اجتهادات المفكرين، أسير الخطب العاطفية والانقلابات العسكرية. ولذلك سقطت معظم مشاريع الوحدة فور سقوط أصحابها أو تغيير مواقفهم لمصالحهم. فالوحدة بين مصر «عبد الناصر» وسورية «شكري القوتلي» عام 1958 -الجمهورية العربية المتحدة- انهارت سريعاً بعد انقلاب دمشق الانفصالي عام 1961 بقيادة «عبدالكريم النحلاوي»، وظلّ «اتحاد الجمهوريات العربية» عام 1971 بين مصر وليبيا وسورية حبراً على ورق حين تنافست الإرادات والزعامات والادعاءات بين السادات والقذافي والأسد حول القضية الفلسطينية ودعم المقاومة ومقدمات الحرب على الكيان الصهيوني. كما انتهى مشروع «اتحاد المغرب العربي» عام 1989 إلى الجمود رغم وحدة اللغة والجغرافيا والمصير، لكن كانت أزمة الصحراء بين الجزائر والمغرب «البوليساريو» أكبر من أن تجمع المستقبل الواحد للاتحاد الذي كان ضمّ الدول الخمس: ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا!
في المرحلة الحرجة التي مرت بها البلاد العربية كان يمكن لليبيا أن تلعب دور «الجسر الحضاري» بين المشرق والمغرب، لا بحكم موقعها الجغرافي فقط، بل بحكم تركيباتها الاجتماعية وقدرتها التاريخية على التواصل مع الجميع. فقد احتضنت، في مراحل مختلفة، المدارس المشرقية في الفكر والدين والأدب، كما احتفظت بعمقها المغاربي والأفريقي والمتوسطي في آنٍ واحد. وهذه الخصوصية جعلت الشخصية الليبية أقل ميلاً إلى «التعصُّب الثقافي» مقارنة بمجتمعات عربية أخرى انغلقت داخل سردياتها القومية أو الطائفية أو الجهوية.. لكن المأساة أن ليبيا، التي كان يمكن أن تكون مساحة لقاء، تحولت مع الزمن إلى ساحة تنازع للمشاريع الإقليمية نفسها، فدخل المشرق إليها بصراعاته الأيديولوجية، ودخل المغرب إليها بحساباته السياسية، بينما تمدد النفوذ الدولي إليها باعتبارها بوابة استراتيجية على المتوسط وأفريقيا معاً.. وهكذا وجدت ليبيا نفسها بعد عقودٍ من الاستقلال، أقرب إلى «الحياد القَلِق» منها إلى الدور القيادي الذي كانت تؤهّلها له الجغرافيا والتاريخ معاً!
ربما تكمن قيمة ليبيا الحقيقية اليوم في قدرتها على إعادة تعريف نفسها إقليمياً بعيداً عن سؤال: «هل نحن من المشرق أم من المغرب؟»، لأن هذا السؤال بحد ذاته يُختزل فيه الوطن داخل اتجاه جغرافي بلا قيمة، بينما كانت ليبيا، عبر التاريخ، نقطة عبور مهمة للحضارات لا هامشاً تابعاً لها، فمن أرضها مر الفينيقيون والإغريق والرومان والجرمنتيون والعرب والعثمانيون والإيطاليون، وفي موانئها اختلطت اللغات والثقافات والأسواق والأديان، ولذلك لم تكن يوماً بلداً مغلقاً داخل هُوية جامدة، بل فضاء متحركاً بين الصحراء والبحر، وبين أفريقيا والمتوسط، وبين المشرق والمغرب معاً.
إن الدول التي تصنع دورها ووجودها التاريخي لا تبحث عن هُويتها في خرائط الآخرين، بل في قدرتها على إنتاج مشروعها الخاص. وربما يكون قدر ليبيا الحقيقي أنها ليست «حائرة» بين جناحين عربيين، بل مؤهّلة بجدارة لأن تكون نقطة التقاء لهما إذا ما استطاعت النخب الثقافية والفكرية أن تستعيد معنى الدولة الحضارية، لا الدولة الهامشيّة التي استهلكتها الصراعات المحليّة لمصلحة دول الاستعمار القديم!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات