إذا كانت الحداثة ليست أسلوباً، بقدر ما هي بحث عن أسلوب بمعنى فردي موغل في الفردية، فإن الإيغال في الفردية ليس هو هوية حداثوية، ولكن سمة من سمات هذه الحداثة، التي هي على النقيض من أي إيغال في الوثوقية. وعليه فالباحث الجاد هنا والآن باحث يبحث عن ذاته، عن معنى لهذه الذات أو معنى الكيان باستعارة لاصطلاح عبد الله القويري، ويكون المعطى الأول لمسألة البحث هذه، أو بتعبير آخر مقدمة البحث، هو الاغتراب الذي ينشأ حينما يطرأ تغير في مفهوم شخص ما عن ذاته، إنه ليس شيئاً يفعله المرء أو النتيجة المقصودة لتصرف صدر عن عمد، فالمرء يجد نفسه، وقد حل هذا الوضع بساحته على حسب قولة هيغل، أو كما قال إبراهيم الكوني: «كان هذا الحافز التعس هو الغربة! لا أعلم عما إذا كانت غربة نفسية أم اجتماعية أم ثقافية، كل ما اكتشفته أنه غربة والسلام، الغربة التي تقتلني وتعذبني وتمسك بخناقي، طوال سنوات الوعي دون أن أجد حيلة في مواجهتها غير الكتابة.
إنني أكتب كي أدفعها عني فحسب، لقد أمست الغربة جزءاً مني، تعيش في داخلي، وتتشبث بحذائي، وتختفي في جيوبي وبين طيات ملابسي، وتركض فوق أوراقي، وعملية محاصرتها لا تتم إلا بأداة عظيمة وحاسمة هي: الفن». وهذا كما يبدو لي ما يجد الباحث الجاد نفسه فيه، وهو ذات الوضع الذي جعل عبد الله القويري، ملتبساً في سؤاله حول مفهوم الهوية في إطار الخاص، وتعين هذا المفهوم في خاص بعينه، ويعمل هذا الانشغال وهذا الاشتغال في النتيجة إلى نقض الخاص المعين، لتظهر المقولة الأساسية حول مفهوم الهوية دون هوية، أي دون محددات.
وإن البحث عن هوية ثقافية ليس كلاماً يمليه احتلال مباشر، أو تضاد إثني في مكان واحد، بل يخص بناء الفرد لروحه ولذاته معاً في أي ظرف أو أي مكان، وفي هذا البحث فإن الحداثة بسبب قدرتها على تقليب فضائنا الطبيعي، بلا رحمة ولا شفقة، وتصنع قوالب عالمنا الإدراكي، ومن هذا الإدراك فإن الهوية الثقافية يمكن أن تتحول للأسف إلى وهم أو إذا شئنا، إلى صورة مزيفة للذات. وإذا كانت الحداثة وكانت الهوية، كما يبدو، على طرفي نقيض، فإنهما أيضاً الأطروحة والمرفوع بالمعنى الجدلي، وهذه العلاقة تكون كما القصيدة «لا يجب أن تعني بل أن تكون»، وإذا كان الشعر هوية الغموض، فإن ما نضرب فيه هو العتمة الواضحة والجلية والعارية من كل يقين، والواضح فيها أنها مسألة شائكة، أن يكون المرء وهو يبحث في الموضوع يكون يبحث في الذات، هذه المسألة التي تفرض أن نمنح لأنفسنا المزيد من الحرية في التعبير عنا، وأن ما نواجهه لا يمنحنا أي امتياز، ولا أيضاً يشكل عقبة تتميز بالخصوصية، فهذا الالتباس من أننا حين نتحدث عن الحداثة نتحدث عن الخصوصية، يجيء من «أن الحداثة أمر واقع لا يمكن نكرانه ولا رده، وبشكل خاص، لا يمكن الإحاطة به، فإن التقاليد في صورتها الراهنة، لم تعد التقاليد التي كانت، والالتباس أننا نحن الذين نتحدث عن أنفسنا لم نعد نحن الذين نعرف».
فالتغير الذي طرأ حقيقة موضوعية تعني الوجود، وتعني الفاعلية أيا كانت نتائج هذه الفاعلية، فالحداثة في هذه الحالة تكمن في السؤال الذي يعني أنه لا يكفي أن نقول الحقيقة، بل ينبغي أن نكون في الحقيقة، وأنه استشراف متطلع لتحقق الإمكان، والحقيقة التي نحن فيها فيما يخص البحث، أننا نبحث في الجزئي عن الكل، أي في المسألة الشعرية الليبية، التي تبين الإشكال الذي نحن فيه، وهو أننا في المسألة الشعرية الليبية، سواء كان ذلك في الحداثة أو في الهوية، نفتقد لأوليات شروط البحث: توفر مادة البحث التي غيابها يتجلى، في أن منطلق الباحث هو افتراض ما، وهذا الافتراض، حتى وإن تم فيه الحرص على جمع أكبر قدر من الدلائل، فإنه مشوب بالخيال، فهو يعتمد نقطة متخيلة ما، ركيزة للبحث.
في هذا تقول فريال غزول: «ليس أصعب على ناقد من أن يبدأ دراسته بلا سوابق نقدية في موضوعه. الصمت أقسى على الناقد منه على الشاعر»، لكن كلما كان التحدي كبيراً كانت الجهود الكفيلة بالسيطرة عليه مضنية، ولا يجب أن نعتقد أننا بهذا نكون على الضفاف، فالحق ليس ثمة ضفاف، ولكن ثمة لجة عميقة مضطربة، لأن اللاسمات هي السمات التي يجب أن نخوض فيها، ولأن تحديد المفاهيم في هذه الحالة من أهم المهام، هذه المفاهيم التي لابد أن تتشح بالغموض مهما كانت فصيحة، فالمفهوم حصيلة فكرته، حصيلة الموضوع الذي سلمنا بخفائه، أو على الأقل عدم تجليه، وسوف نحاول البحث عن تحديد ما للمفهوم من خلال تجلياته في الموضوع الذي نبحث فيه.
فإذا افترضنا أن البحث في الحداثة الشعرية الليبية، بحث خالٍ من المسلمات الأولى، فإن هذا الافتراض نفسه بحاجة لبرهان، وبذلك يتزايد حقل المجهول أو الخفي، وإذا افترضنا أنه ثمة حداثة شعرية ليبية فإن هذا الافتراض أيضاً يستند على عكازين، أولهما المجهول حيث أن موضوع بحثنا بكر، وثانيهما التباس هذا الموضوع في مجمله، فيكون المعلوم ملتبساً وبه نستعين على مجهول.
وإن اعتبرنا مع «داريوش شايغان» أن الحداثة تشكل شئنا أم أبينا، خلفية وجودنا الأولى، والمحيط الذي نحيا فيه والفضاء الذي يغلفنا وفيه نتطور وننمو، والبنى الإبستمولوجية اللازمة، التي تشترط معرفتنا والتي تغير بيئة علاقاتنا الاجتماعية، فإن الحداثة هكذا تكون وجوداً بالقوة، الذي يؤسس حياتنا في هذا العصر المليء بالتناقضات، وبالتالي أمكن لنا تعليل هيمنة غياب الدلالات، غياب المعنى من حياتنا، الذي تكشف عنه الكتابة الآن، التي تنأى عن التفسير لأنها لا تمتلك العالم أيديولوجياً، وترى العالم مغلقاً غير قابل للإدراك، وانهياراً للمركزية، هذا الانهيار الذي ليس حالة من حالات النص المفرد، بل حالة من حالات عمل الفنان كله أو كما قال كمال أبوديب.
غير أن هذه الحداثة ليست نصاً مفارقاً ومرجعية دوغمائية، مغلقة وخطاطة عامة نهائية، ولكنها تعينٌ بالإمكان استقراء وقائعه ودراسة تعينها. وهكذا يكون افتراض «داريوش» مدخلاً معقولاً أو مبدئياً لدراسة هذه الظاهرة، أو هذا النص، الذي يبدو لنا مبدئياً هو المعلوم للبحث في المجهول، ومن هذا فإن عزو الكثير لعامل الصدفة، وللاتصالات العابرة والميول الشخصية، يبدو في عصر التفسيرات العلمية هذا، أقرب إلى الهرطقة والغيبيات، وبحثا ميتافيزيقيا في دفاتر التاريخ، لا يُسوِّغه أي مسوغ إلا وسواس الأصول، التي يتميز بها الفكر التقليدي، ذو النزعة الوثوقية العدمية، وهذا ليس توصيفاً أخلاقياً، فهذا الفكر المرجعي لا يدرس الظاهرة بمنهج كهذا، بقدر ما هو يستبعدها، أو يعيد تشكيلها لمقتضى الحال في أحسن الأحوال.
وإن التشوش الذي يتبدى في ثنايا البحث، يسوغه أن نهج الريبة هو شبكية عين الحداثة، أي الظاهرة التي يجري البحث فيها، والتي تصوغ النهج، وهو أن مسألة المنهجية فيما يخص الأدب، ليس لها تصور واضح وثابت، ففي الأدب لكل قارئ قراءة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات