ولاحظ الشارع في هذه الفترة من تاريخ صحافتنا أن ثمة انتشارا واسعا عم ليبيا بأكملها. وصل إلى المدن والقرى والأرياف والواحات. لم يترك مكانا إلا ودخله آمنا مطمئنا. مشروع واضح في أهدافه بدأ العام 1955 وظل ينافس صدور الصحف والمطبوعات الليبية. ولم يتوقف حتى أغسطس 1969. مجلة المعرفة. كان صدورها عن المركز الثقافي الأميركي كل أسبوعين. تطبع في بيروت. تصل إلى ليبيا وتوزع بقياس كبير. كان هناك اهتمام عجيب من قبل إدارتها لتأمين وصولها إلى العديد من القراء عبر صناديق بريدهم الخاصة دون اشتراكات تدفع.
كان التنافس هنا غير متوازن. طباعتها وإخراجها. جودة الورق. الصور والإمكانيات والوسائل المتوفرة. أميركا تمرر أهدافها. وكانت بهذه الصورة الإعلامية المتفوقة تنشر ما تود الإشارة اليه بطرف خفي أو جلي. ليست هناك مشكلة في الأداء. كانت المجلة تغطي أخبار ليبيا ونشاطاتها. كانت صورها تستهوي الأبصار. في فترة متأخرة أشرف على تحريرها القاص أحمد إبراهيم الفقيه. شغف بالمجلة الطالب في المدرسة والمعلم والموظف وصاحب المقهى. ظل الكثيرون يترقبون صدورها.
نجحت في هذا الانتشار الواسع. أميركا يومها اعتبرت نصيرة للحرية وداعية للعالم الحر. والمجلة مررت ما تريده الولايات المتحدة أيامها في صراعها خلال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي. وكان المركز الثقافي الأميركي في بنغازي وطرابلس ثم البيضاء قبلة لتوافد شرائح مختلفة من المجتمع للاطلاع على كتبه ودورياته ومراجعه والاستعارة منه على الدوام ومشاهدة الأفلام الوثائقية التي تعرض في صالاته كل أسبوع. كان نشاطا إعلاميا محموما وقتها وسط عالم يضخ معلوماته وأهدافه في العقول مباشرة. ومع ذلك المركز كانت المصالح المشتركة. النقطة الرابعة. منظمات الأغذية والمساعدات. وفي تونس القريبة عملت الولايات المتحدة أيضا وبالقدر نفسه على إعداد وإصدار مجلة مثل المعرفة اسمها الأخبار. الإعداد في بيروت مركز الحراك والنشاط والرصد والملاحظة.. وحديث المقاهي وآذان المخابرات!!
ظل المواطن الليبي يتابع الدعاية المغرية للإنسان الأميركي. السوبر مان. صاحب المعجزات. الكاو بوي صديق الناس ومنقذهم الذي يقوم بالخدمات والتضحية من أجل الآخرين في البراري والحانات. إنها ثقافة العالم الحر يومها ومكافحة الشيوعية بلا هوادة.
تلك خطوط تزامنت ولم تفترق في الشارع الطويل. غير أن هذه المعرفة الأميركية لم تكن في الوقت ذاته المنافس الوحيد أو الصوت الدعائي الوحيد كذلك. تقدم هنا الإعلام المصري والقومي. الصحف والمجلات التي تنشر الوعي الثوري. الأنشطة والمحاضرات والأفلام في المركز الثقافي العربي في طرابلس وبنغازي. كان مصدر حراك من خلال الدعاية الثورية الواضحة. لعبت الصحف دورا مؤثرا في صفوف الشعب بطلابه ومثقفيه وكل كوادره. تأخرت أميركا في مرحلة لاحقة وتقدمت القاهرة بصوتها الإعلامي إذاعيا وصحفيا. وانصرف في هذا الوقت العديد من القراء في شارع الصحافة الليبي صوب ما ظل يهطل مثل المطر الغزير عبر الشارع نفسه.. كان الصوت القادم قويا. التنافس صار واضحا في ترجيح كفة الخطاب الخارجي.. القومي والثوري المحرك للعواطف.. يلهبها ويشدها مع الأسماع. مفارقات الصحافة وتنوعها سمحت بالمزيد من تغول الخطاب عند الجميع. وكانت الدولة الليبية تلتزم الهدوء كثيرا في خطابها الإعلامي عبر مواجهتها لما يجري في الساحة خاصة بعد يونيو 1967. وربما في أحيان كثيرة فرملت صحافتها من الدخول في مواجهات ومعارك لا قبل لليبيا بها في ذلك الزمن. وسط الحرارة الملتهبة والخطاب العالي والمشاعر المتدفقة ظل الإعلام الليبي بسيطا.. هادئا لا يروم مكانه بالصورة التي يتمناها المتابعون.. عن بعد!
العام 1960 الذي رأينا خلاله حجب الثقة عن حكومة السيد عبد المجيد كعبار وإقالتها بسبب البرلمان وصحيفة المساء. سيشهد صيفه بالتزامن مع أزمة الطريق وصوت المعارضة في البرلمان والصحافة وضجيج الشارع.. سيشهد أزمتين أخريين مع صحيفتين مستقلتين هما الزمان في بنغازي التي يحررها عمر الأشهب وكانت تشتهر بشعارها الملاصق للترويسة في الصفحة الأولى (الله. الوطن. الملك). والليبي في طرابلس التي يرأسها علي الديب. الذي مر بأزمة عاصفة العام 1954 في موضوع حل المجلس التشريعي الطرابلسي. كان رئيسه يومها وكان الصديق المنتصر واليا لطرابلس. مواجهات وإشكالية دستورية معقدة حول المرسوم الملكي الصادر بحل المجلس. أيام مضت. لكن الديب ظل يمارس نشاطه الصحفي عبر جريدته. الأزمتان كان بينهما من الزمن مدة عشرة أيام. البداية كانت مع جريدة الزمان في بنغازي. برقية أرسلها عمر الأشهب من البريد إلى الملك مباشرة في دار السلام بطبرق. ورد فيها: (نشكو إلى مقامكم السامي من ظلم السيد عبد الله عابد السنوسي وتصرفه المشين ضد جريدة الزمان ومطبعتها بطريقة غير قانونية دون مراعاته لشروط العقد المبرم بيننا بخصوص المطبعة حيث وضع يده عليها ونحن شركاء فيها. فمنع جريدة الزمان من الصدور يوم الخميس الماضي أبنت الفقيدة كريمة السيد محمد الريفي كما جاء في احتجاجه متحديا في ذلك المشاعر الإنسانية ونص العقد وقوانين البلاد التجارية. نلتمس من عدالتكم ردع الظالمين وإعطاءنا حقنا. أدام الله ملككم وعدالتكم).
حملت البرقية في نهايتها (يكشف عنها للمرة الأولى) توقيع عمر الأشهب وشقيقه المختار الأشهب باعتبارهما صاحبي دار الزمان. عبد الله عابد شركته في طريق فزان تتابعه صحيفة المساء في طرابلس وجلسات البرلمان. ثم في الأيام نفسها يقع في مواجهة حادة أخرى مع جريدة في بنغازي. تصرف دون أن يخول القانون له ما ارتكبه في حق الجريدة وشركائه في مطبعتها. السبب كان واضحا. في تلك الفترة توفيت والدة الملكة فاطمة أحمد الشريف وهي السيدة خديجة الريفي. كانت تقيم مع ابنها السيد محيي الدين السنوسي والد الشريف محيي الدين الذي اغتال المرحوم إبراهيم الشلحي عام 1954. عبد الله عابد كان محسوبا ومنحازا على تعاطفه مع آل الشلحي منذ الحادثة الشهيرة. ارتبط في تحالف واضح مع البوصيري الشلحي ناظر الخاصة الملكية بعد اغتيال والده.. والعديد من المسؤولين في الدولة. الملك يومها أعد منشوره الشهير (بلغ السيل الزبى). تردد بأن المقصود بهذا المنشور بطريقة ما هو ذلك التحالف الذي جمع الأطراف صاحبة المصلحة والعلاقة القوية. لم يرض عبد الله عابد بالتأبين ونشره في الجريدة. ضغط على صاحبيها. اضطر عمر الأشهب في يوم آخر من أغسطس هو السادس إلى توجيه برقية مماثلة إلى د. علي الساحلي رئيس الديوان الملكي في طبرق. قالت البرقية بوضوح: (نرجو رفع شكوانا لمولانا الملك من ظلم السيد عبد الله عابد السنوسي وسوء تصرفه حيث داهم للمرة الثانية المطبعة وذلك يوم الخميس فحجز الجريدة المطبوعة وخرب بعض أجزاء المطبعة وأتلف خطوط الكهرباء وشهر سلاحه في وجه العمال وطرد الغفير منها. وبذلك ارتكب أعمالا جنائية ضدنا وضد أمن البلاد وقوانينها ومع هذا فقد قدمنا شكوى ضده لبعض من المسؤولين ولم يتخذ ضده حتى الآن أي إجراء. واليوم قدمنا شكوى للنيابة ولنا في عدالة الملك ما يطمئننا. وقد سبق أن أرسلنا إلى مقامه السامي برقية في هذا المعنى بتاريخ 1 أغسطس من الشهر الجاري. ننتظر من سيادتكم الرد مع خالص تحياتي).
الصيف في البلاد. الحرارة تلتهب عبر أيام أغسطس. البرقيات الساخنة تتوالى على الملك والديوان. موقف حدث. تعطيل جريدة من أجل تعزية ومواساة. ثم جريدة الليبي تدخل على الخط في الشارع الطويل. والي طرابلس بوبكر بونعامة يوقف جريدة الليبي. اليوم العاشر من أغسطس 1960 يظل يوما آخر في مواجهة خنق الكلمة وملاحقتها في كل الأوقات. وهناك في بيروت في ذات اليوم ينجز النائب في البرلمان والكاتب علي مصطفى المصراتي مقدمته لكتابه (صحافة ليبيا في نصف قرن).
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات