في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، قال الراوي: «كان في بغداد خليفةٌ يدعى شعبان المنتصر بالله. وله وزير يقال له محمد العبدلي وكان العصر كالبحر الهائج لا يستقر على وضع، والناس فيه يبدون وكأنهم في التيه. يبيتون على حال ويستيقظون على حال. تعبوا من كثرة ما شاهدوا من تقلبات، وما تعاقب عليهم من أحداث. تنفجر من حولهم الأوضاع فلا يعرفون لماذا انفجرت، ثم تهدأ حينا من الزمن فلا يعرفون لماذا هدأت. يتفرجون على ما يجري لكنهم لا يتدخلون فيما يجري»*
كانت أيامُهم تمشي عكس عقارب الساعة. أو هي تقف جامدة دونما حراك، وإن بدت للناظر كأنها لا هذا ولا ذاك. أو لعلها حسب مشيئة الواقع كانت الأيام تلك؛ أيام الراعي لا الرعية؛ تاريخ الحاكم وذاكرته وهواه. فما يراه الخليفةُ هو عين الصواب الذي يجب أن يأخذ به الناس، جريًا على ما اعتادوا من طاعة أولي الأمر منهم. وحتى إن بدا الراوي كما لو أنه جزء من هذه الحكاية التي لا نهاية لها؛ فتارة هو صرخةُ الضحية، وتارة سيف الجلاد وظله. وقد تشوشت أذهانُ الخلق، واختلط الحابلُ بالنابل، فلا هم في سلم ولا هم في حرب، لا هم أصحاء ولا هم مرضى، لا هم أحياء ولا هم موتى. لا صوت لهم أو صدى، ولا زرع أو ضرع؛ فتعسر على الراوي آنذاك، التمييز بين بغداد ودمشق وغرناطة والقيروان وسمرقند وطرابلس الغرب، بين ثكنات الجند وأسواق العبيد، وزرائب الماشية، والسجون. تداخلت بيوتُ الأحياء ومقابر الموتى، ومكباتُ القمامة. فما الرعية سوى ما تؤمر به؛ ما دامت لا شأن لها غير تقديم الولاء والطاعة. هذا ما تعلمه المحكومون من جلاديهم وسياطهم المرصعة بالمسامير. و«ذلك هو سر الأمان في هذا الزمان».
وسواء أكان الخليفة على وفاق مع وزيره العبدلي، أمْ على شقاق، فالفوضى أينما صالت وجالت، هي الفوضى نفسها التي ترسم مصائر العباد والبلاد. ولا فكاك من مثالب فسادها، وقد طغت أحكامُها، فتعايش معها الناسُ رغمًا عنهم؛ حتى بدت لهم مدينةُ السلام كأنها غابة. إذ اعتادوا الخوف والقهر، وفضائح البلاط التي من فرط تكرارها لم يعد يندى لها جبين الراوي؛ لهذا لم يحفلوا بأخبار الخلاف بين الخليفة ووزيره: «فخار يكسر بعضه»، بعد أن تفشت عفونةُ فسادهم، خارج ديوان الخلافة؛ فالوزير معاقب بالإقامة الجبرية، وليس في وسعه مغادرة قصره. فيما أضحى أهلُ البلاد الأصليون مثلهم مثل المماليك، لا يلوون على شيء سوى سلامة أبدانهم، وتأمين خبزهم. بعد أن شح الرغيفُ وغلا ثمنه؛ حتى خشي القومُ أن يبلغ سعرُه سعرَ الذهب الخالص. لذا صاروا في قرارة أنفسهم من أتباع -الرغيف المخيف - لا الخليفة الظالم، أو وزيره المنشقّ. إذ استأنس الجميعُ منطقة الرماد.
في زمن أمست فيه أبجدياتُ الرمادِ ضربًا من خطاب المستضعفين الذين لا حول ولا قوة لهم سوى تنظيم آلة الصبر. «فالضروري هو الخبز والأمان لا خلاف الوزير والسلطان». هذا ما يحدث في زمن شاعت فيه الخيانة بين أهل البلاط، فما بالك بالخدم المماليك. وقد تحولت البلادُ بقضها وقضيضها إلى فريسة؛ كل وحش ينهش ما طاب له. حيث لا غالب إلا الله. فيما الناس يتفرجون بصمت على مجريات الخزي، مثلما يتفرجون الآن على خراب غزة، وجنوب لبنان.
تقول الحكايةُ أيضًا: إن الوزير المارق، بدا في حيرة من أمره بعد أن تعذر عليه خرق رقابة الحراس والجواسيس، بغية تهريب رسالة إلى ملك بلاد العجم: «منكتم بن داوود». هذه المعضلة التي استعصت على ذكاء الوزير، سيتكفل مملوك عديم الشأن بفك شفرتها. كان ذلك الكائن من بين خدم الوزير المحاصر، يدعى المملوك جابر. كان شديد الهيام بفتاة جميلة، اسمها (زمرد) هي وصيفة زوج الوزير، وكاتمة أسرارها. ولأن المملوكَ أحاط على نحو ما، بنوايا سيده الذي كان يخطط بتكتم حذر لإيصال رسالة سرية إلى ملك العجم «منكتم بن داوود». بادر بتقديم رأسه إلى سيده، ليكون صفحة الخفاء الجديرة بحمل عبارات السر. وكانت تلك فكرة شيطانية ومغامرة محفوفة بالمخاطر، لم يبادر بها المملوك تعبيرًا عن مدى ولائه لسيده؛ بل طمعًا في الزواج من الجارية زمرد. وكان على يقين أن مغامرته كفيلة بتحقيق هكذا غنيمة. علاوة على مآرب أخرى، لا حدود لأطماعها.
وهكذا، عجل الوزير باستدعاء الحلاق الذي تفنن في جعل رأس المملوك جابر صفحة ناعمة وسلسة، تطاوع ريشة الخط.. لكن، وفي اللحظة نفسها التي كاد خلالها الوزير الانتهاء من تحبير آخر حرف من حروف رسالة الخيانة تلك، خمن بينه وبين نفسه بأن هذا الكائن الحالم الذي يتفوق ذكاؤه على ذكاء سيده، قد يضمر طموحًا لا تقف حدوده عند الجارية زمرد؛ لذا أضاف وبخفة ماكرة عبارة قصيرة تنطوي على فداحة المجهول. وعقب ذلك عُزِل المملوك (جابر) في غرفة مظلمة داخل دهاليز القصر المحاصر، ريثما ينمو شعرُ الرأس الذي سيواري أثرَ الحبر. لينطلق بعدها ساعي البريد إلى بلاد العجم. وهذا ما حدث.
ففي ذات صباح، قال الراوي: تفوقت الخديعةُ، وانطلت الحيلةُ على جميع أجهزة التفتيش، ليواصل المملوك جابر رحلته السرية التي ما من مخلوق سواه يعلم وجهتها غير سيده الوزير. لكن حين انكشف للملك «منكتم بن داوود» شكل الكلمات الخفية، أدرك بأنه قد أضحى قيد أُنملة من حلمه في الاستيلاء على بلاد الرافدين، وامتلاك كنوزها الوافرة؛ لذا حرص دون إبطاء على تنفيذ رغبة وزير بغداد التي أكدت على قطع رأس حامل الرسالة. وهكذا كانت نهاية أحلام المملوك، الذي مهدت فروةُ رأسه الطريق لغزو العراق.
لكن ثمة هنا عديدُ الإشارات التي تركتها هذه الحكاية مفتوحة لشهية التأويل، وقد أخفاها الكاتب بدهاء شديد الحنكة، فتكفلت حفرياتُ القراءة بالتنقيب عما سكت عنه لسان الراوي. كأن سعد الله ونوس، حين سطر: مسرحية (مغامرة رأس المملوك جابر) قد حدس على نحو ما، بالمصير الفاجع الذي جعل من أطماع المماليك والخدم طرفًا رئيسًا في نسج مؤامرة كبيرة، ما من عقل بشري بعدُ سبرَ خاتمة مطافها. والله أعلم.
*ما بين قوسين: مقتطف من مسرحية «مغامرة رأس المملوك جابر».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات