إن لم تكن لك به سابق معرفة ولو بالسماع، فمن المحتمل جداً أن تمر بجواره من دون أن توليه التفاتة. بيتٌ مثل غيره من البيوت المصطفة على جانبي شارع سوق الحرارة، بالمدينة القديمة – طرابلس، ومثلها قديم ومتهالك، في أمس الحاجة إلى صيانة عاجلة تحول بينه وبين الانهيار والتحول إلى أنقاض.
الحوش رقم 65 في شارع سوق الحِرارة بالمدينة القديمة – طرابلس، عُرف واشتهر باسم «حوش المستريد». كلمة «المستريد» هي النطق الشعبي للكلمة الإنجليزية «المستر ريد». أخيراً، أماطت الباحثة الأستاذة مريم أحمد سلامة اللثام عن خفاياه، في كتاب بعنوان: «حوش المستريد» (منشورات جهاز إدارة المدينة القديمة – 2025).
عرفتُ الأستاذة مريم أحمد سلامة كاتبةً صحفية تنشر مقالاتها في الصحف المحلية. وأذكر أني قرأتُ لها أيضاً بعضاً من قصائد شعرية، ولم أكن على علم باهتمامها بالتاريخ والبحث التاريخي. وحين اقتنيتُ الكتاب من «المكتبة الطرابلسية» في زيارتي الأخيرة لطرابلس، تبين لي من خلال التوطئة المنشورة فيه أن المصادفة لعبت دوراً مهماً في تحولها إلى البحث التاريخي. فشكراً للمصادفة التي كانت سبباً وراء ذلك التحول، لأنها منحتنا باحثةً جادة ودؤوبة كالنملة، قدمت للمكتبة التاريخية الليبية كتاباً ظل مكانه شاغراً على أرففها لسنوات طويلة.
المثل الشعبي القائل: «اللي ما يعرفك يجهلك» ينطبق على كل من يعبر ذلك الزقاق الطويل في المدينة القديمة، ويمر بذلك الحوش من دون علم بتاريخه الطويل الممتد من العام 1882 إلى 1969. قد أجد عذراً للمارة، لكني لا أجد عذراً للأجهزة الحكومية والمؤسسات الأكاديمية والأهلية ذات الصلة، التي تركت ذلك المبنى التاريخي عرضةً للإهمال والخراب. في آخر مرة مررتُ به، تذكرتُ المثل «بعد السيف علق منجل»، كان في حالة حزينة من الإهمال وسوء الحال، وكأنه لم يشهد أياماً زاهية قط، ولم يكن يوماً عنواناً تأتيه الناس من مناطق عديدة من البلاد كي تتداوى فيه مما أصابها من أمراض.
«حوش المستريد» تربطني به علاقة شخصية. تقول أمي -رحمها الله- إنها حين فاجأها المخاض بي، أخذها المرحوم أبي إلى مستوصف «المستريد» في شارع «سوق الحِرارة»، الذي لم يكن بعيداً عن بيتنا في «زنقة الحُماص». وهناك، بعد الكشف السريع، طلب الطبيب من المرحوم والدي الذهاب فوراً بأمي إلى «السبيتار الكبير» بشارع الزاوية، لأن الجنين -الذي هو أنا- كان في وضعية مقلوبة. وهناك، في المستشفى الكبير، خرجتُ إلى الدنيا بمشقة.
نصيحة طبية واحدة أُسديت في ذلك الحوش أفضت إلى إنقاذ أمي من موت محتمل، ونجاتي أنا من موت محقق. لهذا حين أقرأ عن ذلك المكان أو أسمع به أو أمر بجواره، تحضرني كل تلك الذكريات، كونها باتت جزءاً لا يُستهان به من حكايتي أنا.
لفهم سر ذلك الحوش وتاريخه، لا بد من العودة إلى البدايات. استناداً إلى الأستاذة مريم أحمد سلامة، سُمي الحوش على اسم طبيب إنجليزي شاب يُدعى «وليام ريد»، قدم من مدينة «ليدز» في العام 1892 وعمره 23 عاماً، ليعمل ضمن فريق الإرسالية البريطانية لشمال أفريقيا الذي باشر العمل بالحوش العام 1889.
الإرسالية منظمة دينية مسيحية أُسِست العام 1881 في الجزائر بهدف نشر الدين المسيحي في بلدان شمال أفريقيا. الحوش كمستوصف كان قائماً قبل قدوم المستر ريد، وبقي على حاله حتى بعد مغادرته ليبيا في العام 1935. غير أن اسم «المستر ريد» هو الذي علق بذاكرة الناس إلى أن أُغلقت أبوابه قبل شهر واحد من الانقلاب العسكري في العام 1969، لتُطوى بذلك صفحته كمستوصف ومقر لبعثة دينية بروتستانتية بريطانية.
الباحثة الأستاذة مريم أحمد سلامة أفلحت في كشف ما ظل خافياً من تاريخ ذلك الحوش، وما كان يحدث داخله والخدمات التي كان يوفرها للأهالي -طبية وتعليمية- والأطباء والممرضات الذين عملوا به. وكذلك الدور الخفي المنوط بالإرسالية التبشيرية في سعيها إلى تنصير الأهالي. لكن العبرة بالخواتيم: البعثة لم تنجح في تحقيق الهدف الذي جاءت من أجله، ونجحت بتفوق في توصيل خدماتها الإنسانية لمن كان يستحقها من الأهالي.
الكتاب يحتوي على العديد من الوثائق التاريخية ذات الصلة بالبعثة الدينية البريطانية، ممثلةً في نشرتها الشهرية التي كانت تصدرها وتوزعها على أعضائها، وكذلك الرسائل المتبادلة بين الباحثة وبعض الممرضات ممن تركن ليبيا ورجعن إلى بريطانيا، فضلاً عن صور فوتوغرافية نادرة تحصلت عليها المؤلفة. تلك الوثائق والرسائل والصور وأيضاً الشهادات الشفوية التي أدلى بها ليبيون، ساهمت بشكل فعال في إجلاء الغموض المحيط بالحوش.
المكتبة الوطنية الليبية ستظل مدينةً للأستاذة الباحثة مريم أحمد سلامة، كونها بجدارة وجرأة فتحت ما كان مغلقاً من أبواب موصدة أمام الباحثين والمهتمين بالتاريخ الليبي، وذكرتنا أن في أزقة وحارات مدننا القديمة تواريخ لم تُكتشف بعد، وحكايات لم تُروَ بعد، في حاجة إلى من يكتشفها وينفض عنها غبار النسيان.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات