Atwasat

الدوامة الليبية.. والبعثة التي تعد التوصيات - تحليل لإحاطة السيدة تيتيه

ناجي جمعة بركات 2 يوم
ناجي جمعة بركات

ستة أشهر من الحوار. مئة وعشرون شخصية. ستمائة توصية

ستمائة! كأنهم يبنون مدينة فاضلة بالورق، ويضعون حجر أساسها في أروقة جنيف، مع احترامي الكامل لكل من شارك في الحوار المهيكل، ولا أزكي على الله أحداً؛ فهم تبرعوا بوقتهم من أجل إنقاذ ليبيا، ولكن البعثة سوف تخذلهم كما خذلت اللجنة الاستشارية والليبيين جميعاً طيلة 15 سنة.

أتساءل أحياناً — وأنا أقرأ هذه التقارير الأممية المصقولة كأسنان مسؤول كبير — ماذا يشعر الليبي العادي حين يسمع كلمة «زخم»؟ هل يشعر بالزخم وهو يقف في طابور الوقود؟ أم بالإحباط؟
هل يشعر بالزخم حين تنقطع الكهرباء عن طفله الذي يذاكر على ضوء الهاتف؟ أم يشعر بخيبة أمل امتدت لعقود؟

هل يشعر بالزخم وهو يعلم أن شخصاً ما، في مكان ما، يهرب الوقود المدعوم، بينما الأمم المتحدة تعد توصياتها وتُرتب أوراقها من أجل الاستمرار في هذه المناصب الفارهة، ولا يهم إن أنتجت حلاً أم لا؟

البعثة الأممية في ليبيا تذكرني بطبيب جلس خمس عشرة سنة يكتب التشخيص. التشخيص دقيق. التشخيص علمي. التشخيص مكتوب بالأخضر والأحمر والأصفر. لكن المريض، في كل هذا الوقت، كان يتألم في الغرفة المجاورة ولا أحد يعطيه الدواء، وما زال يتألم، وهذه هي ليبيا.

«اللجنة المصغرة» اسم يستحق وحده قصيدة رثاء طويلة، وهي ثالث لجنة بين 2025 و2026م. مصغرة في اسمها، مصغرة في نتائجها، مصغرة في طموحها، مصغرة في بيع أوهامها.
جمعوا ممثلين من الشرق وممثلين من الغرب، وجلسوا يتفاوضون على قوانين انتخابية منذ سنوات، وليبيا تنتظر في الخارج واقفةً على قدم واحدة، والشعب واقف يعاني أمام المصارف، وأمام لجان العلاج، وأمام السجون لكي يزور أحبابه.

الآن تقول المبعوثة بلغة دبلوماسية ناعمة كالحرير: «إذا لم تتمكن الأطراف من إنجاز الترتيبات في فترة معقولة، فقد تضطر البعثة لطرح بدائل».

بدائل؟ بعد خمس عشرة سنة من الفشل، البديل هو مزيد من الانتظار لاكتشاف البديل. كل إحاطة نسمعها تقول هذا، وكان الأجدر أن تقول: ليس لدينا بدائل، وسوف أستقيل كما فعل الذي قبلها عندما يئس من تدخلات الدول وعرقلة المعرقلين في ليبيا.

في الزاوية، في مايو الماضي، سقط ثلاثة عشر قتيلاً. ليسوا إحصاءً في تقرير. كانوا آباءً وأبناءً وأشخاصاً لهم أسماء ونكات مفضلة وأحلام صغيرة. قُتلوا، وأُغلقت المصفاة أياماً، ثم فُتحت من جديد، ثم كتبت البعثة أن «الوضع الأمني لا يزال هشاً». هشاً. كلمة لطيفة جداً لوصف رصاصة في صدر إنسان. سمعنا هذه الكلمة في كل إحاطات المبعوثين، ولم تجرِ في عروق هذا الأمن الصلابة بعد، لأن الجميع غير جاد في إيجاد الحلول.

ما يغيظني حقاً — وأنا أقرأ هذا الملخص التنفيذي بكل بنوده المرتبة ونقاطه المنمقة — ليس أن الأمم المتحدة تكذب.

بل إنها تقول الحقيقة. وهذا أشد إيلاماً. لأن الحقيقة هي أن ليبيا أصبحت مختبراً دائماً للعمليات السياسية الأممية؛ تتجدد بعثاتها وتتبدل مبعوثوها، وليبيا تبقى حيث هي: بين حكومتين، وجيشين، ومليون وصفة علاج لا يُنفذ منها شيء.

والشعب يعاني، ومستوى الفقر وصل إلى 36%، وعدد المتسللين يفوق نصف عدد سكان ليبيا الأصليين، وهناك نهب مستمر لثروات ليبيا، ومجالس وحكومات منتهية الصلاحية. أين هي الحقيقة؟ إذا كانت هذه هي الحقيقة، فماذا ستفعلون بليبيا وشعبها؟

يقولون إن أكثر من عشرة آلاف مشارك أبدوا آراءهم في الاستطلاعات. عشرة آلاف صوت ليبي صرخ في استمارة إلكترونية، وبصوت عالٍ: نريد التغيير. وفي النهاية، القرار ليس بيدهم. القرار بيد رجل يملك ميليشيا وبنادق موجهة لصدور الشعب، وسلاسل في رقاب الناس، وتغييبا قسريا لأبطال قالوا لا لهؤلاء؛ ورجل آخر يملك حقلاً نفطياً ويبيع النفط في عرض البحار؛ وآخر ينقله بسيارات في وضح النهار؛ ورجل ثالث يملك مطاراً يهرب منه كل ثروات وطنه.

والاستطلاعات؟ تُحفظ في ملف، يُحفظ في خزانة، في مبنى تتقاذفه الاحتجاجات من الخارج، ثم تُنسى إلى الأبد.

أكثر شيء أثار لدي مرارة الضحك في هذا التقرير هو التحذير من «المعلومات المضللة». البعثة قلقة من أكاذيب تقول إنها تُوطن المهاجرين، وهي محقة في الإنكار. لكن ما أود أن أسأله بهدوء: من صنع البيئة التي تنمو فيها هذه الأكاذيب؟ حين يجوع الناس ويتفرقون ويفقدون ثقتهم بكل شيء، تنبت الشائعات كالأعشاب الضارة في أرض مهجورة. والبعثة تمر بجوار الأرض كل ستة أشهر، تكتب تقريراً عن الأعشاب، ثم تعود إلى جنيف وتقول: أخبار مضللة. ولكن الأعداد تتزايد، والجريمة تكبر، وأوروبا قالت قرارها... فماذا بعد؟

قالت المبعوثة هانا تيتيه، وهي محقة في كل ما قالت: «الأدوات والحلول متوفرة، لكن المطلوب هو الإرادة السياسية الليبية». جملة صحيحة تماماً، وخاطئة تماماً في الوقت نفسه. لأن الإرادة السياسية لا تُولد في فراغ. تُولد حين يكون ثمن الفشل أعلى من ثمن التوافق.

وما دام كل طرف يعيش بشكل مريح في مملكته الصغيرة — بميزانيته وميليشياته ومطاره ونفطه — فلن تأتي الإرادة السياسية من اجتماع مصغر. لن تأتي من استطلاع. لن تأتي من ستمائة توصية. تأتي بأفعال، وباتخاذ قرارات قوية وصارمة تعيد ليبيا إلى أبنائها الشرفاء، لا بتسليمها إلى لصوص آخرين يعبثون بها.

ليبيا لا تحتاج إلى مزيد من التشخيص. جثتها مشرحة أمام العالم منذ خمس عشرة سنة. ما تحتاجه هو من يجرؤ على قول الحقيقة الكاملة: أن هذا النموذج الأممي القائم على الحوار اللانهائي وتأجيل القرار لم ينجح، ولن يأتي بنتائج. نحن نعيش في الباب الدوار، وأصبحت إدارة الصراع هي الأنسب، حتى وإن كان من يحكمون الآن ليست لديهم أي مؤهلات، لكن لديهم مؤهل واحد وهو: حاضر سيدي العم سام، وغيره من الدول.

وأن الانتخابات دون إطار أمني حقيقي، ودون توافق على سلطة تنفيذية موحدة، هي مغامرة نحو حرب أهلية جديدة لا نحو ديمقراطية. كذلك، دون تسوية عسكرية وتسوية سياسية ودستور موقت وتأسيس جديد للدولة الليبية، فهي إهدار للوقت. وهذا يحتاج إلى شجاعة قوية من البعثة، ومن الدول المتدخلة في الشأن الليبي، وكذلك من أطراف الصراع الذين يريدون فعلاً أن تكون ليبيا دولة ناجحة.

في آخر المطاف: ستمائة توصية. وليبيا لا تزال تبحث عن توصية واحدة تُنفَّذ، تنقذها من هؤلاء، بما فيهم البعثة وأطراف الصراع والدول المعرقلة لأي حل سياسي في ليبيا.

ليبيا ستنتصر بعون الله، ولا داعي إلى إحاطة أخرى سيادة تيتيه، حيث إن المحتوى لن يتغير، ولن تكون هناك قرارات جديدة وحاسمة. هل سنرى توافقاً في مسار آخر؟ أم سيكون تقاسم السلطة واستمرار الحال كما هو؟ بديل صعب وسيكون كارثياً إذا تسلم السلطة من هم الآن يتفاوضون بخصوص هذا المسار، ولكنه إذا أنقذ ليبيا من الانهيار الكامل، وحد من معاناة الشعب، فلماذا لا تتبناه البعثة وتنقذ نفسها من الغرق الأبدي، حيث أصبحت تبيع الأوهام مثل بائع الأوهام الليبي؟

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»