قد يبدو غريبًا أن نتحدث اليوم عن الثقافة في زمن لم تكن فيه المعرفة أوفر مما هي عليه الآن. فكل ما كان يحتاج إلى سنوات من البحث أصبح يستدعى في ثوانٍ، وكل ما كان حكرًا على المكتبات والجامعات صار متاحًا على شاشة يحملها الإنسان في جيبه. حتى الذكاء نفسه لم يعد ميزة نادرة، بعدما أصبحت الآلات تشاركنا في التحليل والكتابة والترجمة والإبداع. ومع ذلك، كلما ازدادت قدرتنا على المعرفة، ازداد سؤال آخر إلحاحًا: لماذا لا يصبح العالم أكثر حكمة؟
لأن المعرفة ليست الثقافة.
هذه هي الحقيقة التي ضاعت وسط ضجيج عصر المعلومات. لقد اعتدنا أن نقيس الثقافة بعدد الكتب المقروءة، أو سعة الاطلاع، أو كثرة الشهادات، حتى أصبحنا نخلط بين المخزون المعرفي والبصيرة الفكرية. غير أن المعرفة مادة خام، أما الثقافة فهي الصورة التي تنتظم فيها هذه المادة، وهي القدرة على رد الجزئيات إلى كلياتها، وربط الوقائع بمعانيها، والنتائج بمقدماتها. فالفرق بين المعرفة والثقافة يشبه الفرق بين امتلاك الكلمات والقدرة على تأليف قصيدة؛ الكلمات وحدها لا تصنع شعرًا، كما أن المعلومات وحدها لا تصنع عقلًا مثقفًا.
ولهذا فإن الثقافة لا تزيد الإنسان علمًا بقدر ما تزيده مسؤولية. إنها لا تمنحه حق الكلام، بل تعلمه متى يكون الكلام واجبًا، ومتى يصبح الصمت أكثر نزاهة. فالجاهل يتحدث لأنه لا يدرك حدود جهله، والخبير يتحدث لأنه يعرف جوابًا في ميدانه، أما المثقف فيدرك أن بعض الأسئلة لا تُهان بالإجابات السريعة، وأن الاعتراف بعدم اليقين قد يكون أصدق من يقين متعجل. ولعل هذه إحدى الفضائل التي نفتقدها في زمن أصبح فيه إبداء الرأي أسهل من التفكير، وأصبحت الجرأة على الكلام أكثر شيوعًا من الجرأة على قول: «لا أدري».
وليس معنى ذلك أن الثقافة تدعو إلى التردد أو العجز عن اتخاذ المواقف، بل إنها تميز بين البطء في التفكير والبطء في القرار. فالرأي الذي يتكون تحت ضغط الانفعال غالبًا ما ينهار أمام أول مراجعة، أما الرأي الذي يتشكل عبر التأمل والحوار والنقد، فيملك قدرة أكبر على البقاء، لأنه لا يستند إلى الثقة بالنفس وحدها، بل إلى الاستعداد الدائم لمراجعة النفس. الثقافة لا تصنع إنسانًا مترددًا، وإنما تصنع يقينًا يعرف حدوده.
ومن هنا نفهم أن المثقف ليس هو النقيض للخبير، وإنما مكمله. فالخبير يجيب عن السؤال المطروح، أما المثقف فيسأل إن كان السؤال نفسه قد طُرح على الوجه الصحيح. الخبير يبحث عن الوسائل، أما المثقف فيراجع الغايات. الأول يجعل العالم أكثر كفاءة، والثاني يحاول أن يجعله أكثر إنسانية. ولهذا لا تقوم الحضارات على الخبراء وحدهم، كما لا تقوم على المثقفين وحدهم، وإنما تقوم على الحوار المستمر بين من يعرف كيف ينجز، ومن يعرف لماذا ينبغي أن ينجز.
ولعل هذا هو المأزق الحقيقي لعصرنا. فقد نجحنا في صناعة خبراء في كل مجال، لكننا لم ننجح بالقدر نفسه في صناعة عقول ترى العلاقات بين المجالات. أصبح الطبيب أكثر معرفة بالطب، والاقتصادي أكثر إتقانًا للاقتصاد، والمهندس أكثر براعة في الهندسة، غير أن المشكلات الكبرى لم تعد تعترف بهذه الحدود. تغير المناخ، والذكاء الاصطناعي، وأزمات الهوية، والهجرة، والاقتصاد العالمي، ليست قضايا تقنية خالصة ولا سياسية خالصة ولا أخلاقية خالصة؛ إنها مسائل تتشابك فيها العلوم مع الفلسفة، والسياسة مع التاريخ، والاقتصاد مع علم النفس، بحيث يصبح التفكير المجزأ عاجزًا عن الإحاطة بها.
وهنا تبدأ الثقافة فعلًا. فهي ليست الانتقال من تخصص إلى آخر بدافع الفضول، بل القدرة على جمع ما تفرق من الخبرات في رؤية واحدة، ترى الإنسان قبل أن ترى المهنة، وترى المجتمع قبل أن ترى المؤسسة، وترى المستقبل قبل أن ترى المكسب الآني. إنها لا تلغي التخصص، بل تمنحه أفقًا أوسع، وتمنع صاحبه من الوقوع في وهم أن نافذته الخاصة هي العالم كله. فكل علم يضيء جانبًا من الحقيقة، أما الثقافة فتنشغل بالصورة التي لا تظهر إلا حين تجتمع هذه الجوانب في أفق واحد.
ومن هذا المنظور، لا يبدو الذكاء الاصطناعي خصمًا للثقافة، بل امتحانًا لها. فالآلة تستطيع أن تجمع المعلومات، وأن تحللها، وأن تقترح حلولًا مذهلة، وربما تتفوق على الإنسان في كثير من المهام العقلية. لكنها لا تعرف معنى المسؤولية، ولا تشعر بثقل القرار، ولا تحمل عبء العواقب الأخلاقية لما تنتجه. إنها تستطيع أن تقول ما هو ممكن، لكنها لا تستطيع أن تسأل: هل هذا الممكن جدير بأن يتحول إلى واقع؟ وهل كل ما نستطيع فعله ينبغي أن نفعله؟
وهذا هو السؤال الذي لا يجوز للإنسان أن يتخلى عنه. فالحضارات لم تنهر لأنها عرفت قليلًا، بل لأنها كانت قدرتها على الفعل تسبق قدرتها على الحكمة. وما أكثر ما امتلك البشر من وسائل عظيمة استخدموها في غايات صغيرة، أو ظالمة، أو قصيرة النظر. فالمعرفة لا تحمل قيمتها الأخلاقية في ذاتها، وإنما تستمدها من الإنسان الذي يستخدمها، ومن الغاية التي تتجه إليها، ومن الحدود التي يفرضها ضميره على قدرته.
لهذا لا أرى الثقافة ترفًا فكريًا، ولا زينة اجتماعية، ولا لقبًا يمنح لمن قرأ أكثر من غيره. أراها الحارس الأخير للعقل؛ ذلك الحارس الذي يذكره، كلما أغرته قوته، بأن المعرفة لا تمنح صاحبها فضيلة، وإنما تمنحه مسؤولية. فالعقل يستطيع أن يبني، ويستطيع أن يهدم، وما يفصل بين البناء والهدم ليس مقدار الذكاء، بل نوع الإنسان الذي يحمله.
وربما لهذا لا يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: كيف نصنع أجيالًا أكثر معرفة؟ فهذا السؤال أجابت عنه التكنولوجيا إلى حد بعيد. أما السؤال الذي ما زال ينتظر إجابته فهو: كيف نصنع إنسانًا لا تزيده المعرفة غرورًا، ولا تزيده القوة قسوة، ولا يزيده الذكاء ابتعادًا عن إنسانيته؟ ذلك، في النهاية، هو السؤال الذي تبدأ منه الثقافة، والذي لا يجوز لها أن تتوقف عن طرحه ما دام الإنسان قادرًا على أن يعرف أكثر مما يفهم، وأن يفعل أكثر مما ينبغي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات