في تقلبات التاريخ، تبرز ظاهرة غريبة تثير الحيرة؛ فغالباً ما تنتهي رحلة الطغاة بسقوطٍ مذل ولفظٍ جماهيري حاد، حيث تخرج الحشود لتطالب برحيلهم أو تحتفي بنهايتهم، ظناً منها أن الفصل قد طُوي للأبد.... لكن، بعد مرور الوقت، يتبدل المشهد عند أجيال جديدة لم تعش القمع، فتتحول الذاكرة من الإدانة إلى «الاشتياق» لرموزٍ كانت يوماً ما عنواناً للاستبداد.
ويعد بينيتو موسوليني، «الدوتشي» الإيطالي، النموذج الأبرز لهذه المفارقة؛ فبعد أن انتهت مسيرته في عام 1945 بمشهدٍ مروع، حيث عُلقت جثته رأساً على عقب في ساحة ميلانو تعبيراً عن غضبٍ شعبي جامح، كان يُفترض أن يُدفن معه ذلك الإرث في ذاكرة النسيان.
إلا أن الواقع اليوم يشي بغير ذلك؛ إذ لا يزال هناك تيار إيطالي واسع يتناسى دماء الماضي وقمع النظام، ليرى في موسوليني رمزاً للنظام والكبرياء القومي. فكيف تتحول جثةٌ لفظتها الجماهير في ساحة عامة إلى أيقونةٍ تُستدعى في دهشةٍ واستغراب؟ ولماذا يجد البعض في أطلالِ «الدوتشي» ملاذاً لحنينٍ لا يهدأ؟».
جذور الدوتشي (من الفقر إلى السلطة)
لفهم هذا الحنين الذي يتحدى المنطق، لا بد من العودة إلى جذور «الدوتشي»؛ فهو لم يكن مجرد سياسي صعد من العدم، بل كان تجسيداً لعنفٍ فطري تبلور في أروقة السلطة. فقبل أن يعتلي شرفات روما كزعيم مهيب، كان ذلك الفتى الذي طُرد من المدرسة لطعنه زميلاً له، والشاب الجائع الذي نام تحت جسور سويسرا هرباً من التجنيد. هذا المزيج من الفقر المُذِل والغضب الجامح صاغ شخصيته. عندما تأسست حركته الفاشية، لم تكن سوى تحويل لذلك العنف الشخصي إلى آلة سياسية منظمة باسم «القمصان السوداء»، مستغلاً فوضى ما بعد الحرب لتقديم نفسه كمنقذ وحيد قادر على فرض «النظام» بقبضة من حديد.
لعل التناقض الأكبر في حياة موسوليني يكمن في براغماتيته القاسية؛ فقد كان يمتلك كل المهارات إلا الأمانة الأيديولوجية. الشاب الاشتراكي المتطرف الذي عُرف بإلحاده الشديد وبُغضه لرجال الدين، تحول فجأة إلى الزعيم الذي يصافح البابا، ليبرم «اتفاقية لاتران» التاريخية العام 1929. لم يكن الأمر إيماناً، بل كان تكتيكاً ماهراً: استعمل الدين كجسر للوصول إلى قلوب ملايين الكاثوليك، مؤمناً بذلك أعمق قاعدة شعبية لحكمه الاستبدادي. لقد كانت ممارساته قائمة دائماً على قاعدة واحدة: كل شيء في سبيل الدولة الفاشية، ولا شيء خارجها.
لا يمكن فهم الولع المستمر بموسوليني بعد عقود من موته وهزيمته من خلال سبب واحد، بل هو مزيج معقد من العوامل التاريخية والنفسية والاجتماعية والسياسية. هذا الولع لا يعكس بالضرورة حباً كاملاً لشخصه أو لكل أفعاله، بل هو تعبير عن ظواهر أوسع. يمكن تفسير هذا الولع بعدة عوامل رئيسية:
1. وهم المجد: حين تتحول الذاكرة إلى أسطورة
تزيين الذاكرة: مع مرور الوقت، تتحول الذكريات المؤلمة للحرب والفاشية إلى ذكريات مُزينة. يركز البعض على «الجوانب الإيجابية» المزعومة التي تروجها بعض الروايات، مثل:
• مشاريع الأشغال العامة: بناء الطرقات، تجفيف المستنقعات، وإنشاء المدن الجديدة.
• الاستقرار والنظام: فكرة أن موسوليني «جعل القطارات تسير في الوقت المحدد» وأعاد النظام بعد فترة من الفوضى في إيطاليا ما بعد الحرب العالمية الأولى.
• القومية والفخر الإمبراطوري: استعادة أمجاد الإمبراطورية الرومانية عبر غزو إثيوبيا (على الرغم من وحشيته).
• النوستالجيا لأزمنة أبسط: بالنسبة لبعض كبار السن أو حتى الشباب الذين سمعوا روايات من أجدادهم، تمثل تلك الفترة زمناً كان فيه «الانضباط» و«القيم التقليدية» بارزة، قبل تعقيدات العولمة والهجرة.
2. استغلال الإحباط الاقتصادي والسياسي
• الأزمات الاقتصادية: يعاني جنوب إيطاليا خاصة من بطالة مرتفعة ونمو اقتصادي بطيء. في مثل هذه الظروف، يبدو الخطاب الشعبوي الذي يعد باستعادة المجد والاستقرار جذاباً.
• عدم الثقة في المؤسسات الديمقراطية: الفساد المستمر، وعجز الحكومات المتعاقبة، وتراجع الخدمات العامة يدفع البعض إلى النظر إلى نظام قوي ومركزي (مثل نظام موسوليني) كحل. «الفراغ الأيديولوجي» الذي تركته الأحزاب التقليدية في إيطاليا هو ما سمح لرموز الماضي بملء هذا الفراغ.
• الهجرة والتغير الديموغرافي: يشعر بعض الإيطاليين بالتهديد من جراء تدفق المهاجرين والتغير الثقافي. يستغل اليمين المتطرف هذا الخوف ويعيد صياغة خطاب موسوليني القومي والمعادي للأجانب بأشكال حديثة.
3. إعادة التدوير التاريخي والإنكار
• نظرية «الشر الضروري»: يروج البعض لفكرة أن موسوليني، رغم أخطائه، كان أفضل من البدائل الأخرى في ذلك الوقت (مثل الخطر الشيوعي).
• الفصل بين موسوليني وهتلر: يحاول المؤيدون فصل صورة موسوليني عن هتلر، مدعين أن الفاشية الإيطالية كانت «أخف» من النازية، متناسين جرائمها في ليبيا وإثيوبيا ويوغوسلافيا ومعاداتها للسامية في سنواتها الأخيرة.
• إنكار أو تقليل حجم الجرائم: هناك محاولات دائمة لتقليل فظائع النظام الفاشي أو إنكارها، أو إلقاء اللوم على الآخرين.
4. الاستغلال السياسي والرمزية
• الرمزية كأداة سياسية: تستخدم الأحزاب اليمينية والشعبوية في إيطاليا (مثل حزب «الإخوة الإيطاليين» بزعامة جورجيا ميلوني) رموز الفاشية وإرث موسوليني بشكل رمزي لجذب قاعدة انتخابية معينة. إنهم لا يتبنون الفاشية صراحةً (وهي غير قانونية) لكنهم يستخدمون خطاباً قومياً وشوفينياً يستحضر ذلك الماضي.
• التمرد والهوية: بالنسبة لبعض الشباب في أوساط اليمين المتطرف، يمثل تبني رموز موسوليني نوعاً من التمرد على النظام السياسي السائد والليبرالية.
من هم الذين يشتاقون إليه؟(تصنيف الجمهور)
من المهم التمييز بين:
• القلة المتعصبة: وهم مجموعة صغيرة ولكنها صاخبة تتبنى الفاشية علناً وتقدس موسوليني.
• المؤيدون «الرمزيون»: وهم فئة أوسع قد لا تؤيد كل جرائم النظام، ولكنها تعبر عن إحباطها من الحاضر باستخدام رموز الماضي، معتبرة أن «موسوليني كان زعيماً قوياً» في زمن كانت فيه إيطاليا «محترمة».
الخلاصة
الولع بموسوليني اليوم هو ظاهرة سوسيو-سياسية معاصرة أكثر منها حنيناً تاريخياً حقيقياً. إنه مؤشر على أزمات إيطاليا المعاصرة: الأزمات الاقتصادية والسياسية، وأزمات الهوية. كما أنه دليل على فشل في معالجة الماضي، حيث أن إيطاليا لم تمر بعملية «اجتثاث» للفاشية بنفس العمق الذي حدث في ألمانيا، مما سمح ببقاء إرثها في الظل. وبالإضافة إلى ذلك، هناك قوة الخطاب الشعبوي، الذي يستغل مخاوف الناس ويقدم حلولاً بسيطة لمشاكل معقدة، مستخدماً أساطير الماضي.
بعبارة أخرى، الولع بموسوليني ليس حباً لرجل ميت، بل هو تعبير عن استياء حي من حاضر يعيشه الأحياء.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات