كثيراً ما تكثر المترادفات اللغوية حيال جملة الصفات السيئة النكراء في حياة البشر غير الأسوياء، وكثيرها نعتية، وغالبها «ماجنة» تخدش الحياء.. فبماذا إذاً نصف الشخص المرتشي والانتهازي والمنافق بغير كونه آفاقاً ومحتالاً ورخيصاً وبلا أخلاق؟.. ولا تنتهي هنا مفردات النعت، إلى نابيات السبّ والشتم وبما لا يسمح به النشر ومقام الطرح البناء في حالة اجتماعية وغالبة ثقافية يهتز لها المجتمع، ومصدرها بالدرجة الأولى كان «أخلاقياً».. ومن السقوط الأخلاقي يظهر الشخص «الوصولي» الذي بطبيعته يسعى إلى تحقيق مصالحه الشخصية بأي وسيلة ممكنة، ولو على حساب القيم والمبادئ والأخلاق.. وغالباً ما يُقترن مفهوم «الوصولية» بالنفاق والتملّق والانتهازية، وكُلُّها صفات نعتية سيئة تصاحب حياة الوصولي إلى مماته، وبعضها يلتصق به لقباً تحمله ذرّيته من بعده!
ليست «الوصولية» في هذا السياق حادثة طارئة في حياة المجتمعات، ولا انحرافاً أخلاقياً عابراً يمكن عزله في أفراد بعينهم، بل هي بنية خفيّة، تكاد تكون قانوناً غير مكتوب ينهض كلما اختل ميزان القيم واضطربت العلاقة بين السُّلطة والمعنى.. والوصولي هنا ليس مجرد شخصٍ انتهازي، بل هو نتاج تاريخي، كائن، تشكّل في الفراغات التي تركها العقل الجمعي حين عجز عن تحويل المبادئ إلى مؤسسات نافعة، والفضائل إلى نظام قائم على العدل.
منذ أن وُجِدت «السُّلطة» بوصفها مركز جذب، وُجِد من يتحلق حولها لا بدافع الخدمة، بل بدافع الصعود حيث يمتزج المقدس بالسياسي.. وتاريخياً كان الوصولي، كاهناً أو عرّافاً أو قريباً للحاكم، يقرأ الغيب كما ينبغي للسُّلطة أن تسمع، فلم يكن بحاجة إلى قوة السيف، بل إلى مرونة الضمير واللسان. وهنا وُلدت الوصولية بوصفها فناً مبكراً في تأويل الرغبة العُليا، لا في قول الحقيقة المُثلى!
في الإمبراطوريات القديمة، خصوصاً الرومانية والفارسية، تبلورت الوصولية كوظيفة غير معلنة، فالبلاط لم يكن فضاءً للكفاءة بل حلبة للنجاة، ومن لا يتقن الإيماء قبل الأمر، والابتسامة قبل القرار، يُقصى أو يُمحى من الوجود. والوصولي في هذا السياق لم يكن شريراً بالضرورة، بل كان واقعياً حدّ القسوة، يدرك أن التاريخ لا يكافئ النبلاء دائماً، بل من يحسنون الوقوف في المكان المناسب لحظة الانهيار.. ومع العصور الوسيطة، لبست الوصولية لباساً أكثر تعقيداً.
وفي ظل هيمنة الدين، لم تعُد الطريق إلى السُّلطة تمر فقط عبر الحاكم، بل عبر السماء نفسها، فصار الوصولي فقيهاً بلا تقوى، وناسكاً بلا زهد.. وهنا حدث التحول الأخطر، فلم تعُد الوصولية سلوكاً سياسياً فقط، بل أصبحت خيانة للمعنى. إذ حين تُستعمل القيم العُليا كوسيلة لغاية، تفقد قدرتها على النقد، وتتحوّل إلى مجرد وجوه مزيفة في مجتمع يعيش على الخديعة.
في عصر النهضة وبداية الدولة الحديثة، لم تختفِ الوصولية، لكنها صارت مع الزمن أكثر وعياً بذاتها.. فميكيافيللي في كتابه «الأمير» لم يخلق الوصولي، بل كشفه، ولم يدعُ إلى الانتهازية بقدر ما أزاح الستار عن منطق السُّلطة العاري.. ومنذ تلك اللحظة، دخلت الوصولية مرحلة التبرير الفلسفي، فلم تعد رذيلة ساقطة، بل ضرورة ملحة، ولم تعُد انحرافاً أخلاقياً، بل حنكة وشطارة.. وهنا انفتح الباب أمام أخطر أشكالها، وهي أن «الوصولي» الذي يؤمن أن الأخلاق ترفٌ لا يليق بعالم الصراع المادي!
مع نشوء «الدولة البيروقراطية» الحديثة، وانتشار الأحزاب والمؤسسات، ظنّ الإنسان أن الوصولية ستتراجع أمام سيادة القانون. لكنها لم تفعل، بل تحولت إلى خطر ساكن، حيث صار الوصولي ابن النظام لا نقيضه، يتقن لغة اللوائح ويجيد اللعب على حواف القوانين، وأصبح مع الممارسة يعرف كيف يصعد من داخل النص لا من خارجه. وفي هذا السياق، لم يعُد الوصولي صاخباً في علاقاته أو فظّاً في تعاملاته، بل مهذباً وأنيقاً، يحمل الشهادات المزوّرة، ويتحدث باسم القيم التي لا يمارسها!
في المجتمعات الثورية، تبلغ الوصولية ذروتها التراجيدية. فالثورة، كونها لحظة أخلاقية كبرى، تفتح أبوابها لمن يملك الشجاعة، ولمن يملك القدرة على الادعاء. فكثيراً ما يُقصى أصحاب التضحيات الوطنية، ويصعد أولئك الذين أتقنوا لغة اللحظة بعد فواتها.. وهنا، تحديداً، يتحول الوصولي إلى وارث غير شرعي للتاريخ، يعيد كتابة السردية بما يخدم موقعه ويدعم مصلحته في السُّلطة.
في السياق العربي المعاصر، لا يمكن فهم الوصولية دون فهم هشاشة الدولة وغياب العقد الاجتماعي وانكسار الثقة بين المواطن والمعنى العام. فالوصولي هنا ليس استثناءً، بل قاعدة صامتة يتلون مع الأنظمة، يتنقل بين الشعارات ويعيش على فائض الخوف والالتباس، وهو بالتالي ابن الهزائم المؤجَّلة، وحارس الرداءة المستقرّة في زمن التفاهة!
فلسفياً، يمكن القول إن «الوصولية» بشائعتها الراهنة، هي الوجه العملي للعدمية حين يفقد الإنسان إيمانه بجدوى القيم، لكنه لا يملك شجاعة إعلان ذلك، فيتحول إلى وصولي انتهازي، لا يثور على الأخلاق، بل يستخدمها لمصلحته، ولا ينكر المبادئ، بل يعمل على تفريغها من محتواها. وهنا تكمن خطورة الوصولية، فهي لا تهدم المعنى علناً، بل تتركه قائماً كواجهة، فيما هو خاوٍ من الداخل!
إن تاريخ «الوصولية» هو في جوهره تاريخ فشل المجتمعات في حماية العلاقة بين الاستحقاق والمكانة، بين الفعل والاعتراف. فكلما اتسعت هذه الفجوة في العلاقة، تكاثر الوصوليون مع الزمن وتطورت أدوات استغلالهم.. لذلك، لا تُهزم الوصولية بالمواعظ، ولا بالتشهير، بل ببناء مؤسسات عادلة، ومعايير إدارية واضحة، وثقافة لا تكافئ الذكاء الماكر على حساب النزاهة الصامتة.. وفي ذلك، يمكننا القول بأن الوصولي لا يصنع التاريخ، لكنه يلوّث صفحاته، ولا يؤسس لمستقبل مرجو، بل يهدم الحاضر بالنفاق.. وحيثما كثر الوصوليون وتضخّمت بهم السُّلطة، فاعلم أن الحقيقة دائماً غائبة عن واقعها المؤلم، وأن لا مستقبل مشروعاً للأجيال تحميه قيم الأخلاق والمبادئ.. ففي الحالة الليبية مثلاً، سقط مشروع الدولة بعد سقوط النظام عام 2011 لأن مفهوم الكينونة في أساسه كان متشظياً، ولذلك انحرف أخلاقياً بفعل سطوة الوصولية الغالبة في ثقافة المجتمع، فبسبب الأطماع سقط نظام سبتمبر، وبذات الأطماع تغوّلت سُلطة فبراير.. إنها قسمة الفساد العادلة بين نظامين تأسسا على مفهوم الغنيمة، نتاج مرحلة ما بعد الطفرة النفطية التي قوّضت فكرة الإنتاج بالاستهلاك، ولذلك كانت ليبيا الدولة الريعية بامتياز، منهوبة الثروة في الحاضر وبلا مشروع تنمية، وبالتالي خاسرة للمستقبل!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات