Atwasat

زليطن.. ثقافة الميلاد

منصور بوشناف 3 أيام
منصور بوشناف

في «دوفان» جنوب زليطن تتداخل جغرافيا البحر بجغرافيا الأودية، وتتشابك أشجار الزيتون والنخل مع أشجار السدر والطلح عبر وادي «ميمون دراق»، وتعود زراعة السواني المستقرة إلى زراعة المواسم وتربية الأغنام.

في هذه النقطة «دوفان وميمون دراق» تتذكر الجغرافيا الليبية سيرتها عبر ملايين السنين، تعيد سيرة الإنسان والحضارة منذ ما يزيد على المئة ألف سنة لتبدأ من هذه النقطة من «دوفان» سيرة «الإنسان الماهر» وصناعة أدواته الحجرية، كما أظهرت الحفريات، حين صنع فأسه وسلاحه وخناجره الحجرية مدشناً عصراً جديداً في رحلة الإنسان المضنية على الأرض. عصر «حضارة دوفان» كما يسميها المختصون.

«دوفان» وطن الإنسان الماهر الذي حقق قفزة أخرى في سلم الحضارة الإنسانية لينتقل من ذلك الكائن الجامع للثمار التابع للطبيعة وظروفها إلى الإنسان مبتكر الأدوات والأسلحة، القادر على مواجهة مخاطر الحياة والقدرة على البقاء.

في «دوفان» وفي لحظة تاريخية فارقة انتصر الإنسان بالابتكار وأثبت أنه «الأنسب والأقدر».

عبر السدر والطلح والبطوم ينسرب مجرى وادي ترغلات راسماً مجرى نهر «كينوبس» أو «كعام» كما نسميه الآن باتجاه البحر، وتتناثر شرقه وغربه أطلال معاصر الزيت التي تعود إلى ما يزيد على الثلاثة آلاف عام من يومنا المتصحر هذا لتتداخل مع جنائن وحدائق مرتفع «ربات الجمال» كما يذكرها هيرودوت بترهونة ومسلاته.

عبر السهل وعلى حواف زليطن ولبدة الكبرى تتناثر أطلال فيلات واستراحات الرفاهية وسط مزارع الزيتون والتين والعنب، محوطةً زليطن بالماء والخضرة، عابة ماء وفاكهة «كينوبس أو كعام» عباً.

في «فيلا دار بوك عميرة» بزليطن وفي القرن الأول للميلاد تنبسط سجادة الفسيفساء المذهلة «موجودة الآن بالمتحف بطرابلس» وفيها تتدفق الفصول الأربعة حياة ومصارعين وزهوراً.

ويقفز بي السرد إلى القرن الخامس عشر للميلاد، قرن ميلاد «سيدي عبدالسلام الأسمر» حيث ولد بزليطن في الربع الأخير من ذاك القرن ليكون ثمرة وتاج حياة وحركة ثقافية للإحياء والمقاومة أسسها وحافظ على سيرورتها معلمون أجلاء.

هنا وفي زاوية السبعة ومنذ القرن الخامس عشر للميلاد حيث بدأ عبدالسلام الأسمر سيرته المعرفية الأولى، ظل أطفال زليطن وما حولها يحفظون القرآن وحتى اليوم.
عبدالسلام وككل كلمات الحق الطيبات يرحل إلى مسلاته وزاوية الدوكالي ثم يعود معلماً، وإلى طرابلس حيث السلطة والحق لا يلتقيان ليطرد ويطارد إلى غريان ليحط رحاله بقلعة سوف الجين ببني وليد ودولة بن تليس.

عبدالسلام الأسمر وكإنسان دوفان الماهر وإنسان فيلا دار بوك عميرة ينجز قفزة زليطن الثالثة للثقافة في ليبيا، فبعد إنسان دوفان الماهر وثورة العصر الحجري وصناعة الأدوات ثم إنسان مزارع الزيتون والتين في القرن الأول للميلاد، يتوج عبدالسلام الأسمر جهود رجال الله ومؤسسات التعليم والتربية في زليطن لمقاومة الجهل والغزاة والسلطة الغاشمة، فعلى الرغم من كل الحرب والتهميش ومحاولات الترويض ظل الأسمر رجل كلمة الله «الحق والعدل»، ظل صوت الفقراء والمقموعين والمهمشين طوال ذلك القرن.

افتك من كل أدوات السلطة بكل أشكالها ومستعمريها، سلطة الروح والعقل والمعرفة، كان حقاً سلطان برها وبحرها بجيوش وقوى الكلمات والمعرفة.

كانت كلماته ترحل محلقة من قلعة سوف الجين عبر شعاب ووديان وبر وبحر ليبيا وتونس وحتى مراكش ناشرة وصاياه الكبرى والصغرى نوراً للحق والعدل.

زليطن جغرافيا تداخل البر والبحر، الصيادين والرعاة والمزارعين والصناع، جغرافيا التدين والفنون، ظلت وإن جف نهر «كينوبس» وأُهملت حضارة دوفان وفيلا دار بوك عميرة ودمر ضريح الأسمر قادرة على الولادة من جديد، بالمعرفة والثقافة.

زليطن جغرافيا جعلها التواصل والتوسط بين البحر والصحراء، ملتقى ورحماً للثقافة والمعرفة بين المغرب والمشرق والبحر والصحراء، لم يمنحها هذا التوسط دور الميناء التجاري ولا جعلها محطة هامة لقوافل الصحراء بل اختارت دور المدرسة والمعلم.

لم تنجز الحركة الأسمرية وزليطن ما أنجزته السنوسية والجغبوب، ولم تتحول إلى حركة سياسية، لأنها ظلت حركة للإصلاح الروحي والمعرفة، كانت تستهدف الروح، تاركة للناس شؤون دنياهم، فلا إجبار ولا مغالبة ولا تطلع لممارسة سلطة السلاطين الدنيوية، فقط تنوير الروح والعقل بنور الحق والعدل، لذا ظلت زليطن رحماً لثقافة الميلاد والتجدد، ميلاد المعارف وحفظها ونشرها.

زليطن كانت ولقرون طويلة أحد أهم «خزانات المعرفة» في ليبيا، ومن المتفرد في تجربة زليطن هو نشوء عائلات المعرفة والتعليم، التي ظلت وعلى مدى ما يقرب من الستة قرون تؤسس وتدير وترعى مؤسسات أهلية للتعليم دون أن تتلقى شيئاً من السلطات الحاكمة في تلك القرون.

كان دوفان وكان ماجر وكما كان كينوبس «كعام» وزليطن روافد للمعرفة وبحيرات للتدين وفنون الروح لثقافة البعث والميلاد.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»