منذ اللحظة تلك، التي تلّقيت فيها القصيدة «خشب»، بصوت شاعرها محمد الفقيه صالح - كان ذلك عقب خروجه من السجن ببضع سنوات، في بيت صديقنا الشاعر نصر الدين القاضي، خلال جلسة جمعتنا بعديد الأصدقاء- مذ ذاك بدأت رحلةُ إعجابي الشديد بالقصيدة «خشب» وشقيقاتها. القصيدة المِفْتاح، التي هيأت لي اكتشاف مناجم الذهب في شعرية الفقيه صالح. القصيدة نفسها التي اقترحتها عتبة للجزء الأول من مقالتي هذه. بالطبع كنتُ قرأتُ للفقيه قبل ذلك أكثر من قصيدة جميلة، نشرتها خلال النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي صحافتُنا المحلية.
المتابع الوفيّ لتجربة الفقيه صالح الأدبية، شعرًا ونثرًا، يستخلص قيمًا عديدة، من بينها: أن أصالة الكتابة تكمن في مدى اعتنائها بخدمة لغتها. لأن تربية الكلمات أو ترويضها دعامةٌ أساسيةٌ، تهب عمارة النص تلك الوصفة السحرية، الكفيلة بتأكيد فرادة المكتوب ورسوخه، ومن ثم تميّزه. هذا الانشغال يضع شاعرنا السّامق من بين كتاب العربية القلائل الذين اعتنوا باللغة، ليس نحوًا وصرفًا وإملاءً فحسب؛ بل عبر كشف اسرارها والاحاطة بخصائصها الفنية، كلغة إبداع كتابي. يُعزى الأمر هنا لفضائل شتى، منها ما يتعلق بمهارته الاستثنائية على تكييف نسق جملته الشعرية في بنياتها وتراكيبها، بالقدر الذي يجعلها أكثر ثراءً؛ علاوة على إحاطته الذكية بآليات الانزياح وما ينجم عن تعشيق الألفاظ من دلالات مبتكرة. وفي قصيدته «خشب» على سبيل المثال، والتي لطالما أشدت بها، تتجلّى مقدرةُ الفقيه في تقانة الأسلوب، بكثير من الجماليات المصانة.
فما الشعر سوى روح اللغة التي تكتبه، اللغة في جوهرها الإبداعي، بوصفها الاستعارة الأشد بلاغة لتأثيث الهوية. هذه الخاصية تعتبر من أهمّ روافد مشروع الفقيه صالح، كشاعر مخلص، ضخّ في أوردة لغته قدرًا عظيمًا من الجمال النظيف، لتأتي قصيدته زاخرة بحمولة المعنى. وقد اصطفت إلى جانب الوجدان والخير والطمأنينة والجمال. فلسرّ ما، ثمة شعراء بعينهم يذكّرونك بسمو الكلمة، وذلك والإعجاز الجامع بين أصالة الكلاسيكي، وروح المعاصرة، في أكثر نماذجها عمقًا ورصانة: «الشعر».. هنا يكمن الفارقُ بين اللغة واللغة، وبين الشاعر والشاعر.
كذلك ثمة قيم تؤثثها حميميةُ المكان وحضور الذاكرة؛ يُعزى ذلك، أن شاعرنا سليلُ عائلة عريقة من عائلات المدينة القديمة، «شارع كوشة الصفار»، لهذا احتشدت قصيدتُه بأنفاس البحر، وأصداء تطريق النحاس، وتلك التقاليد العتيقة التي تسِم حياة سكان «باب البحر» وعاداتهم المتأصلة. يقول الشاعر في أحد الحوارات الصحفية التي أجريت معه: «عشت في طرابلس المدينة القديمة والتي هي أشبه ما تكون بمتحف حضاري تاريخي بسبب تعاقب الحضارات عليها بدءا من الفينيقيين ثم الرومان ثم الحضارة العربية وبعدها حتى العثمانية، وكلها تركت آثارًا فيها. وقد نشأتُ ابنًا لعائلة حرفية تعمل في طرق النحاس، وقد عملت مع والدي حين كان عمري عشر سنوات، لكن طرابلس حضرت بقوة مرعبة في روحي حين اقتلعت منها وكان هذا أشبه بالفطام ووجعه. لذا كان استحضار المكان كاستحضار الأمّ في لحظة يُتمّ واقتلاع. السّجن هو هذا اليتم وهذا الفطام». (*)
في إسهامه النقدي تنظيرًا وتطبيقًا، كانت للفقيه صالح نظرته العميقة والمنصفة في القراءة والتأويل، دون أن يسمح لانفعالاته أن تجمح، أو تخضع لأية حسابات مشخصنة. وهذه ميزة قلّما تتوفّر في المشتغلين بالحقل النقدي. وقد أحاط بمظاهر الفوضى والانسداد في مشهدنا الأدبي، ليعزو أزمة هشاشة خطابنا النقدي، في بعض أسبابها لغياب «ثقافة الحوار»، التي من شأنها كحركة مصاحبة الإسهام في إرساء مفاهيم نظرية ومقاربات داعمة لحياة الإبداع الكتابي شعرًا ونثرًا. وهكذا جمعت مسيرة، محمد الفقيه صالح بين الشاعر، والناقد، والمثقف العضوي. وكان يمكن أن تكون أوسع تأثيرًا وانتشارًا لو نشأت في بيئة غير البيئة، وقد توفر لها المناخُ الصديق، والأكسجين والنقي.
ونحن كمعاصرين لهذا الكاتب الفذ، ندين له بمكارم كثيرة. منها ما يتعلق بكونه صاحب البصمة الأهم في عمارة القصيدة السبعينية، كتجربة شخصية منفتحة، ومتسامحة بأريحية عالية مع كل أشكال الحداثة بما في ذلك قصيدة النثر، التي كان لها نصيب في ديوانه من مغامرة التجريب. كما ندين لمنجزه النقدي باعتباره عتبة دخول جريئة لثقافة الحوار، وتمرينًا ذهنيًا على تقبّل الآخر، والإيمان بأهمية الجدل كأرضية لاختلاف وتباين وجهات النظر. وأن تكامل الكينونة وصيرورتها يستمدّ وجوده من طبيعة التضاد. كان معلّمًا في صياغة الأسئلة الناقدة؛ نقدُ الابداع والسياسة والمجتمع والكيان. وكان شاعرًا فحلًا جسدت قصيدتُه بامتياز تجربة رصينة، تنتصر للحرية. قصيدةُ توقٍ، لا طوق. قصيدة تشيرُ بثقة إلى أكثر من «أفق آخر»؛ حيث دائمًا، ثمة كلمة جريئة تفتح النوافذ على كل ما هو متوخى، ومنتظر. قصيدة سفر واكتشاف وموسيقى، لا قصيدة معطف أو عباءة، وغرف مغلقة.
أخيرًا، تطمحُ هذه الإيماءةُ، ضمن طقسها الشخصي كصلاة غائب، إلى تكريم إرث شعرنا الليبي في أسمي لحظاته صدقًا ورسوخًا وبهاءً. صلاة غائب، تجسّد بطريقتها وقفة خاشعة في محراب القصيدة، بوصفها من عظيم آيات الجمال المقدس، لتدعو أصدقاء الشعر أينما كانوا، للتضافر من أجل أن يكون لليبيين بيتٌ ثقافيٌّ، أو جائزة أدبية منتظمة، تحمل اسم: الشاعر محمد الفقيه صالح.
__________________
(*) ميسون شقير. «محمد الفقيه صالح وكلام في السجن والحرية» حوار- صحيفة العرب اللندنية. الأحد 8 مايو2016.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات