Atwasat

(الحل في ليبيا يجب أن يقوده الليبيون)!

فضيل الأمين 3 ساعات
فضيل الأمين

عبارة تتكرر باستمرار… «الحل في ليبيا يجب أن يقوده الليبيون»
يكررها الدبلوماسيون والمبعوثون والمندوبون والسفراء وحتى الزوار في بعض الأحيان عندما يزورون ليبيا أو يجتمعون لمناقشة ملف «ليبيا» فيما بينهم.

أما الليبيون فلهم تعبير آخر بنفس المعنى.
العبارة الليبية «الحل الليبي-الليبي».

ونحن بين العبارتين نسأل: ما معنى «يجب أن يقوده الليبيون»؟ ما هو معنى القيادة؟ ومن هم الليبيون الذين سيقودون؟ وهل سيقودون الحل أم سيقودون الليبيين؟

هل طرح مبادرات من بعض الدول بمسارات معينة وأدوات معينة تتجاوز المؤسسات الليبية يتماشى مع عبارة «الحل في ليبيا يجب أن يقوده الليبيون»، أم يتماهى بدقة أكثر مع عبارة «الحل في ليبيا يجب أن يقوده ليبيون» بدون «أل» التعريف، أي يقوده بعض الليبيين بعينهم؟ وهل ذلك هو الحل فعلاً أم هو دفع غير مباشر أو مؤجل لصراع أو صدام دموي وخطير جديد كان يمكن تجاوزه أو كان مؤجلاً فقط.

وما معنى عبارة «الحل الليبي-الليبي» ولماذا تتكرر كلمة الليبي أكثر من مرة؟ ولماذا مرتان فقط؟ هل المشكلة هي أزمة بين طرفين ليبيين؟ أم صراع بين منطقتين أو إقليمين؟ ولماذا لا نقول «الحل الليبي» فقط؟
وما معنى الحل الليبي؟ هل هو حل تقوده مؤسسات الدولة المختصة بمعالجة الأزمات والمشاكل التي تحتاج إلى حلول؟ هل كلمة الليبي-الليبي تعني الرمزية فقط أم المؤسسات الليبية؟ أم تعني غياب الأجنبي أو استبعاده كائناً من كان؟ وماذا لو فشلت المؤسسات المعنية بالحلول في الحل الليبي بالقيام بمهمتها «الليبية-الليبية»؟ ماذا لو أصبحت هذه المؤسسات أو حتى الشخصيات هي فعلياً المعرقلة لـ«الحل الليبي-الليبي»؟
هل بعض الشخصيات التي تصرخ: نريد حلاً ليبياً-ليبياً، تعني المؤسسات الليبية أم تعني ذواتها بالتحديد؟

ولماذا فشل الليبيون في الوصول إلى حل خلال كل هذه السنوات، بل أصبح بعضهم هم الأزمة أو رجال الأزمة؟

هل سنضطر إلى أن نستنجد بالأجانب أو نطلب من الأمم المتحدة أن تلعب دور الوسيط؟
وهل عندما تلعب الأمم المتحدة دور الوسيط، هي تُفعّل «حلاً يقوده الليبيون» أم حلاً يقوده الأجانب عبر الأمم المتحدة، والليبيون سيكونون ضيوفاً على الوساطة؟

وهل إذا قاده الليبيون عبر وساطة الأمم المتحدة سيقبل به الليبيون ويعتبرونه حلاً ليبياً-ليبياً بوساطة أممية، أم سيطعنون فيه إذا لم يكن 100% يتماهى مع ما يريدون ويرغبون؟

نسبة معتبرة من الليبيين فقدت الأمل في قدرة الليبيين الذاتية على صناعة حل للأزمة الليبية من قِبل المؤسسات والسلطات الليبية المنقسمة.

ولهذا نجدهم يلقون باللائمة على «المجتمع الدولي». وعبارة المجتمع الدولي الفضفاضة أصبحت شعاراً لتنصل الليبيين من مسؤوليتهم تجاه أزمتهم.
فعلياً وعملياً ليس هناك مجموعة أو تكتل اسمه «المجتمع الدولي». هناك دول جوار ودول إقليمية ودول غير إقليمية ودول كبرى ودول أصغر، ودول متداخلة في الملف الليبي منذ 2011 بغض النظر عن حجمها أو قربها. وهناك دول دخلت المشهد الليبي في 2014، وأخرى دخلت في 2019. ولكل منها مصالحها ومقارباتها التي قد تتماهى في لحظة مع دول أخرى أو تصطدم بها.

وهناك الأمم المتحدة التي يزداد تدخلها ودورها كلما يزداد الشقاق والصراع والحروب والانقسام بين الليبيين.

الأمم المتحدة عبر مجلس الأمن لها ولاية محددة على ليبيا منذ 2011، وهذه الولاية ليست انتداباً ولا ولاية بقبعات زرقاء ولا تدخلاً عسكرياً مباشراً. ولايتها سياسية دبلوماسية للتيسير والمساعدة دون الفرض والإجبار.

ولهذا رفض بعض الليبيين حكومة السراج التي جاءت بتيسير من البعثة الأممية وقرارات مجلس الأمن، واستمر الرفض إلى حين اندلاع حرب 2019، دونما أن تتدخل الأمم المتحدة لفرض تلك المخرجات أو الحكومة على من رفضها. كما لاحظنا أيضاً تقلباً في مواقف بعض الدول التي كانت مع مخرجات الأمم المتحدة في البداية ثم انقلبت عليها، ودولاً أخرى كانت ضد المخرجات ثم دعمتها.

اندلاع الحرب على طرابلس في 2019 استدعى تدخلاً دولياً بعد فترة طويلة عبر مسار برلين ومجلس الأمن، الذي ساهم في اتفاق وقف إطلاق النار بين الأطراف، والذي لا يزال سارياً حتى اليوم.

السؤال المحوري اليوم للجميع له شطران:

الشطر الأول:
هل العبارة الدبلوماسية المتكررة من الأطراف الدولية بملكية الليبيين للحل وقيادتهم له يكمن وراءها إخلاص ويقين بذلك ممن تصدر منهم، أم أنها للاستهلاك المحلي والدبلوماسي من باب «لزوم الشغل» ليس إلا؟ وإذا كانت صدقية وإخلاصاً ويقيناً، فإلى أي حد قامت تلك الأطراف الدولية بدعم هذه العبارة أو المبدأ عملياً بالعمل المباشر مع المؤسسات الليبية ذات الشأن أو اتخذت بعض الإجراءات الضاغطة أو المواقف العقابية تجاه المعرقلين والمفسدين؟

أما الشطر الثاني:
فهو لمن ينادي بالحل الليبي-الليبي.
هل يقصد بذلك المؤسسات الليبية على الرغم من كل علاتها؟ أم يقصد مجموعات وأفراداً من الليبيين ليسوا ذوي قرار أو سلطة حاكمة مبنية على المرجعية الدستورية التي تمنح المسؤولية والصلاحية لهذه المؤسسات لصناعة الحل الليبي-الليبي بناءً على المرجعيات الليبية؟ وإذا كان الجواب بنعم، ولكن المؤسسات تقاعست لسبب أو لآخر، هل قام هؤلاء بالضغط والتحريض والتشاور مع بقية القوى الليبية ليس من أجل استبدال أنفسهم بدل هذه المؤسسات، ولكن من أجل دفعها إلى الالتزام بمصلحة البلاد وتنفيذ الحل الليبي-الليبي؟

للأسف لم نشاهد اعتصامات أو مظاهرات أو حملات ضغط على هذه المؤسسات، أو على الأقل على المعرقل أو المتقاعس منها، من قبل دعاة الحل الليبي-الليبي. بل ما وجدناه هو المسارعة في تجاوزها وطرح بدائل أخرى تعتمد كلها على شرعية وصلاحية الأمم المتحدة وبعثتها في ليبيا. حيث يطالبون البعثة بـ«لجنة حوار» جديدة تنشئها البعثة الأممية، وآخرون يطالبون بـ«مؤتمر تأسيسي» تؤسسه البعثة الأممية.

وهذه المطالبات كلها تصب خارج الحل الليبي-الليبي. ليس ذلك فحسب، بل حينها يبدأ الصراع والتطاحن على من يكون في لجان الحوار الأممية، وفي حالة الاتجاه نحو مؤتمر تأسيسي، من سيكون عضواً في هذا المؤتمر؟ وما إن تنطلق سوق عكاظ حتى تبدأ المساومات والصراعات والرشاوى من أجل شراء الكراسي.

ومن ينجح من هؤلاء المطالبين سيسبح بحمد الأمم المتحدة، ومن يفشل في الوصول يتحول إلى سيف مسلط على البعثة والفكرة والمشروع، وسيرفض كل مخرجاته ويطعن في كل المشاركين بطريقة أو بأخرى.

وعلمتنا التجربة أيضاً أن مخرجات أي حوار أممي يقوده الليبيون وتديره الأمم المتحدة ستكون نتيجتها عند التنفيذ الفشل الجزئي في أفضل الأحوال. كما فشل حوار الصخيرات في توحيد البلاد بعد رفض أطراف لمخرجاته، ثم عادت بعد سنوات واعترفت بها. وكما فشل حوار جنيف في تحقيق الوحدة على الرغم من تسليم الشرق الليبي للسلطة الموازية وإنهائها، ولكن السلطة في طرابلس كانت تبحث عن نموذج حكومة سلطة في طرابلس كما كان الحال من قبل ولكن بطريقة محسنة، وانقلبت على شريكها في الشرق وعلى مجلس النواب الذي منحها الثقة. كما فشلت في تحقيق الانتخابات التي كانت الجزء الأساسي من المهمة.

ماذا يعني ذلك؟
يعني ذلك أن المشكلة ليست في المصطلح الوهمي «المجتمع الدولي»، وليست في البعثة التي لا تملك آليات الفرض والإرغام والإلزام.
والمعرقلون والفاسدون والمستفيدون من الأزمة يعرفون ذلك جيداً.

ويعني ذلك أن الحل الليبي-الليبي يجب أن يُعرّف بأنه حل المؤسسات الليبية، وليس الأطراف الليبية، وليس الشخصيات الليبية، وليس القوى على الأرض، وليس المعرقلين.
إنها المؤسسات الليبية، على ضعفها وارتهان بعض من فيها لمراكز قوى معينة أو للمصالح الآنية، فهي لا تزام تملك الشرعية الدستورية والملكية القانونية والاعتراف الدولي بأنها صانعة القرار إلى يُجرى انتخابات وطنية رئاسية وتشريعية.

كما أن الحل الليبي-الليبي لا يمكن أن يكون حلاً لبعض الليبيين دون غيرهم.
فالوطن يتسع للجميع، والأزمة مست الجميع، وبالتالي فإن معالجتها تقتضي مشاركة الجميع.
لا إقصاء لأحد ولا احتكار لأحد ولا وصاية لأحد على ليبيا أو على الليبيين.
وكل القوى والتيارات والمناطق والمكونات السياسية والاجتماعية مدعوة للمشاركة في صناعة الحل ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية.

فالقاعدة الصحيحة ليست من يحضر ومن يُقصى، بل أن يشارك الجميع إلا من قرر بنفسه أن يقصي نفسه من الحوار والمسار الوطني

السؤال هو: هل يمكن لهذه المؤسسات أن تعمل؟

نعم، إذا قام الشعب والناشطون والمؤمنون بالحل الليبي-الليبي بدورهم.
دور الضاغط.
دور المُحرِّض.
دور الغاضب.
دور المهدِّد سياسياً وسلمياً لهذه المؤسسات.

لا بد أن تسمع هذه المؤسسات صوت الشعب.
لا بد أن تخاف وأن تُذعن لإرادة الشعب.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»