Atwasat

(سقيفة غرياني)

جمعة بوكليب 1 يوم
جمعة بوكليب

أراهن أن الأجيال الجديدة من الليبيين لا يعرفون السقيفة ولا يتخيلون ماذا كانت تمثل لمن سبقوهم من أجيال، وهم معذورون. فما كانت في أعوام طويلة مضت سمة في كل بيت اختفت، وأضحت بيوتنا بلا سقائف. لا أعتقد أن المرء يتحسر على فقدانها، فلكل زمان معماره، ولكل معمار جماله وسحره وسماته. لكن الذين منّا عايشوا مرحلة السقيفة يتذكرون ما كانت تعنيه. أحلى هدرزة للنساء كانت تتم في السقائف، حتى صار يقال هدرزة سقيفة. أحيانًا تأخذ الهدرزة النسوة حتى ينسين أنفسهن والتزاماتهن الأخرى.

أشهر أنواع السقائف في المنظومة الشعبية الليبية واحدة عرفت واشتهرت باسم السقيفة الغريانية. ومنها جاء المثل أعلاه: «سقيفة غرياني»

لو رجعنا إلى التاريخ لاكتشفنا أن المعمار عمومًا لا ينفصل عن السياسة والفكر؛ فالمباني المغلقة كالقلاع والقصور هي مكان تصنع فيه القرارات الرسمية والمؤامرات والدسائس. والمساحات المفتوحة كالميادين هي المكان الأنسب للتظاهرات والاحتجاجات والثورات الشعبية والاحتفالات أيضًا.

أما وظيفة السقائف فإنها مختلفة، كونها تحتضن لحظات انتقالية - دخولاً وخروجًا من البيت بعيدًا عن الأسماع والعيون - وتتيح فرصة أمام مشاورات حرجة أو ضرب مواعيد للقاءات مقبلة حميمة.

«سقيفة غرياني»؛ مثل شعبي ليبي قديم، كنتُ أسمعه في فترة مبكرة من عمري، ويُعدّ هذه الأيام في حكم المهجور، تماماً مثل بيوت الحفر الجبلية التي يُنسب إليها. السقيفة الغريانية القديمة في حياش الحفر كانت عبارة عن نفق أو ممر منحدر وطويل جداً، يُحفر ببطء وعناية في باطن الأرض، ليربط بين البوابة الخارجية الواقعة على مستوى السطح، والفناء الداخلي للحوش في الأسفل.

كلمة «سقيفة» في اللغة العربية اشتُقّت من الجذر اللغوي الثلاثي (سَقَفَ)، وهو جذر يدور معناه الأصيل حول الارتفاع والتظليل. وفي معجم «لسان العرب» لابن منظور فإن السقيفة هي: «كل بناءٍ سُقّف بلوح أو جذع، أو جُنَّ بيت فوقه سقيفة، والجمع سقائف». وهي على وزن (فَعِيلة) بمعنى (مَفْعُولة)، أي المسقوفة، أو المكان الذي جُعل له سقف.

بمرور الزمن، تطورت المفردة من مجرد وصف للفعل الهندسي (التسقيف) لتصبح اسماً لنمط معماري محدد؛ ففي البداية كانت تُطلق على أي مظلة أو مكان يُستظل به من الشمس والمطر، سواء كانت ملحقة ببيت أو قائمة بذاتها في الحي.

لاحقاً، أصبحت تعني بالتحديد ذلك الفضاء الممتد الطويل والمغطى الذي يقع بين الباب الخارجي والفناء الداخلي، أو الممر المسقوف بين بيتين، أو الشرفة الواسعة المظللة بأعمدة.
على أن «السقيفة» ليست مجرد تفصيل معماري؛ بل هي مفردة تحوز دلالات سياسية وفكرية كبرى في التاريخ الإسلامي؛ إذ دخلته مبكراً، وتحديداً فور وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، عبر البيعة المشهورة التي تلت ذلك في مكان عُرف تاريخيًا باسم «سقيفة بني ساعدة». تلك البيعة، في تلك السقيفة، ما تزال إلى يوم الناس هذا محط نقاش واختلاف وتأويل.

وإذا كان حظ سقيفة بني ساعدة أنها غدت علامة كبرى حددت مسارات التاريخ الإسلامي المبكر، من خلال الاتفاق بين كبار الصحابة -رضوان الله عليهم- على أن يكون الحكم في قريش، فإن التاريخ الإنساني يحمل بين صفحاته أسماء سقائف أخرى، في مراحل وسياقات تاريخية مختلفة، سابقة ولاحقة، لا تقل عنها شهرة وأثراً في مصائر الأمم. ولا مجال في هذه السطور للخوض في تلك السقائف التاريخية المشهورة.

لا علاقة للمثل «سقيفة غرياني» بالتاريخ أو بالسياسة، بل هو كناية عن ضعف السمع. فالمرء ضعيف السمع يوصف سُخريةً وتهكمًا بأنه «سقيفة غرياني». وهو ربط شعبي ذكي بين طول السقيفة في حياش الحفر في غريان وصعوبة سماع ما يحدث خارجها على أهل البيت.

العلاقة بين السقيفة كمكان والسمع كحاسة أن كليهما فضاء للتلقي، أي مكان تصلك منه أصوات الآخرين وهدرزتهم، وكلاهما للأسف يتآكل مع الزمن. وكما اختفت حياش الحفر في غريان وتلاشت السقيفة من بيوتنا الليبية، تآكل سمعي، وانضممتُ مؤخرًا، بحزن وألم، إلى من يوصفون سُخرية:
«سقيفة غرياني».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»