في الدولة الراعية لا يستيقظ المواطن على صوت المنبه، بل على صوت القلق. قلق من الراتب، وقلق من المصرف، وقلق من نهاية الشهر قبل أن يبدأ. يخرج من بيته كأنه ذاهب إلى معركة، لا إلى عمل. يقف في طوابير طويلة أمام المصارف لينتظر جزءاً من المال الذي سمحت له الدولة بالحصول عليه، ثم يعود حاملاً راتبه كما يحمل الجندي غنيمته الأخيرة.
في مثل هذه الدول يصبح الراتب أهم من العمل، والوظيفة أهم من الإنتاج، والولاء أهم من الكفاءة. تمتلئ الدوائر بالموظفين، وتفرغ المصانع من العمال، ولن تجد مصانع تشتغل للدولة، وتزدحم المكاتب بالأوراق بينما تبقى الأسواق تنتظر ما يُنتج.
الدولة الراعية لا تريد مواطناً مستقلاً أو منتجاً، بل مواطناً ينتظر. ينتظر الراتب، وينتظر القرار، وينتظر الفرج. فكلما ازداد اعتماد الناس على الدولة ازداد خوفهم من فقدانها، وجميعهم لا يحبذ التغيير والتطوير، وكلما ازداد خوفهم أصبح تغيير الواقع أكثر صعوبة، وهذا يليق بمن يبيعون الوطن لشعوبهم بهذا الراتب الرخيص، وإعطاء هبات أو دعم السلع الغذائية والمحروقات، وكله خوفاً من أن يثور عليهم المواطن.
الحاكم سعيد، والشعب غاضب لكنه لا يغضب كثيراً. ففي نهاية كل شهر تُلقى إليه جرعة مهدئة اسمها الراتب. يقف الناس أمام المصارف منذ الفجر وكأنهم ينتظرون فتح أبواب الجنة، ثم يخرجون بأموال تكفي بالكاد لنصف الشهر. وبعد أسبوعين يبدأ النحيب الوطني الكبير: الراتب انتهى، والأسعار لم تبدأ بعد.
وعندما يكون النفط أو أي مورد طبيعي آخر هو المصدر الوحيد للدخل، يبدو المشهد وكأنه احتفال دائم فوق خزان محدود. الجميع يقتسم العائدات، والقليل يفكر في اليوم الذي يجف فيه البئر. وعندما ينضب المورد، تكتشف الدولة أنها كانت توزع الثروة أكثر مما كانت تصنعها، وأنها كانت تستهلك المستقبل بدلاً من أن تبنيه.
الخدمات في الدولة الراعية غالباً ما تكون متواضعة رغم الأموال الكبيرة. المستشفيات مزدحمة ولا تؤدي خدمات جيدة، والمدارس متعبة بتكدس المدرسين وأغلبهم ليس لديه الكفاءة، والطرق مليئة بالحفر. المواطن يدفع الثمن مرتين: مرة من ثروته الوطنية، ومرة من جودة حياته المتدنية دون أن يسائل نفسه: هل هذه هي الحياة والمعيشة التي أريدها؟
لكن السؤال الأصعب هو: هل يتحول الشعب إلى شعب منتج بمجرد انتهاء الدولة الراعية؟
الجواب ليس سريعاً ولا سهلاً. فالاعتماد على الدولة لا يصبح عادة اقتصادية فقط، بل يتحول مع الزمن إلى ثقافة كاملة. ثقافة ترى الوظيفة الحكومية ملاذاً، والجميع يبحث عن مكان له ويعمل كل المستحيلات حتى يتحصل على عمل وراتب ويصبح جزءاً من هذه الدولة الراعية، والمبادرة مخاطرة، والإنتاج عبئاً إضافياً. لذلك فإن الانتقال إلى مجتمع منتج يحتاج إلى سنوات طويلة من الإصلاح والتعليم وبناء الثقة، وأكثر من ذلك إلى تأسيس الدولة من جديد.
الأمم المنتجة لا تولد بين ليلة وضحاها. إنها تُبنى في المدارس قبل المصانع، وفي العقول قبل الأسواق. تحتاج إلى أجيال تؤمن بأن قيمة الإنسان فيما يضيفه لا فيما ينتظره، وأن الوطن ليس خزينة توزع الأموال فقط، بل مشروع جماعي يشارك الجميع في بنائه.
الدولة الراعية قد تنجح في شراء الهدوء لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع شراء المستقبل. فالمستقبل لا يُصرف على شكل رواتب، ولا يُستخرج من الآبار، بل يُصنع في الورش والمختبرات والمزارع والمصانع وتنمية العقول وتحفيزها بأن تكون منتجة أكثر من أن تكون فاشلة.
المأساة أن الدولة الراعية لا تسرق الأموال فقط، بل تسرق العادات الجميلة أيضاً. تسرق عادة المبادرة، ومتعة الإنجاز، وفخر الإنسان بثمرة جهده. تجعل العمل مغامرة خاسرة، والاعتماد على الدولة مهنة مستقرة.
ولهذا فإن أخطر ما تفعله الدولة الراعية ليس هدر المال، بل هدر الإنسان. فهي تستهلك سنواته في الانتظار، وتضعف ثقته بقدرته على الإنتاج، وتجعله ينظر إلى الدولة كمعيل أبدي لا كشريك في بناء الوطن.
الدولة الراعية لا تبني أجيالاً. الأجيال تُبنى بالعمل، والمسؤولية، والحرية، والفرص العادلة. أما الطوابير فقد تصنع مواطنين ينتظرون، لكنها لا تصنع أوطاناً قوية، والطوابير قد تمتد كيلومترات، لكنها لا تقود إلى المستقبل.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات