Atwasat

شارع الصحافة (5)

سالم الكبتي 1 يوم
سالم الكبتي

وحين تكون الصحافة مستقلة وتستظل بقوانين الحرية والعدالة لا تتوانى في هذه الحالة في تأسيس قاعدة عريضة من الوعي والانتشار عند القراء. الأولوية هنا تكون للحرية ولا شيء غيرها. وفي تلك الأعوام رأينا في وجود بعض الأمثلة البارزة من هذه الصحف عندنا كيف قامت صحيفة المساء التي تولى رئاستها وإصدارها السيد سليمان دهان بدورها المهم في الإشارة إلى ما اكتنف تفاصيل طريق فزان في مشواره الذي يقترب من الإنجاز من غموض والتباسات لدى الجمهور.

أحاديث وهمسات ونقاشات لم تهدأ. كان البرلمان في إجازة. لكن ما نشر في المساء نهض في الصباح مع الشمس. التقطه مجموعة من النواب. قطعت الإجازة. تقدموا بمذكرة للانعقاد. استجاب الملك. وصار الموضوع في نقاش وتداول أكثر انتشارا في مقر البرلمان القديم في طرابلس.

قاد المقال عزائم النواب إلى المزيد من الإصرار على تعرية ما قيل عنه بأنه فساد شاب الطريق. رغم ما تردد بأن ما خصص من مبلغ أضيف إلى المبلغ الأصلي للمشروع ولصالح شركة عبدالله عابد السنوسي التي تقوم بتعبيد الطريق من بوقرين على الساحل عند البحر إلى سبها حيث الصحراء.. تردد بأنه تغطية وتحويلات لصالح الثورة في الجزائر. ذلك لم يشفع للحكومة وللشركة معا.

سقطت الحكومة أو حجبت عنها الثقة أو أقيلت في نهاية المشوار. كلفت حكومة السيد محمد عثمان الصيد بتولي المسؤولية. وافتتحت الطريق إلى فزان في سبتمبر 1962.
كان هذا الدور الصحفي المستقل للمساء مثالا للكشف عن التجاوزات والتنبيه إليها وإنشاء علاقة تدرك المصلحة العليا بين المواطن والمسؤول وبهذا الشكل الجديد للصحافة الواعية أضحى المواطن يقترب من الموضوعات والمسائل، وعرف أن الصحافة صوت له مثل صوت المعارضة الوطنية فوق مقاعد البرلمان. تتحد باتجاه المصلحة السلطة التشريعية مع السلطة الرابعة كما توصف وهي الصحافة الوطنية الشجاعة على الدوام.

وفي الاتجاه نفسه لعل السيد محمد عثمان الصيد كان في مقدمة المسؤولين المهتمين بمسألة الإعلام والكلمة والتواصل مع المواطن. لقد جاءت حكومته كما مر بنا عبر حرية التعبير وتشكيل رصيد من الوعي في ضمير المواطن والمسؤول. وهنا لأول مرة في تاريخ الحكومات الليبية أنشأ وزارة جديدة اسمها وزارة الدعاية والنشر.

ثم تغيرت بعد فترة قصيرة من هذه التسمية إلى وزارة الأنباء والإرشاد. اهتمت بموضوعة الإذاعة والصحافة. خرج الرئيس الصيد عدة مرات في مؤتمرات صحفية وتصريحات ولقاءات مع المواطنين في أماكن عديدة من البلاد. كان ثمة شعار يردده الإعلام في وقته بأن الحكومة جاءت لتخدمكم لا لتحكمكم. أصدرت الحكومة العديد من النشرات والكتيبات الإعلامية. وخلقت دعاية واسعة للإعلام الحكومي وفي صور متنوعة. وأسندت هذه المهمة وأتقنها على نحو يرضي الحكومة مدير مصلحة الإذاعة.. أحمد فهمي الهمالي. كان صوتا للرئيس والحكومة بطريقة جلية وواضحة.

عبر هذه الفترة طغى الإعلام الرسمي على الصوت المستقل. لعل الحكومة بهذه الخطة استطاعت أن تحقق نجاحات على هذا المستوى دون المستوى المستقل. صدرت مجلة الإذاعة شهريا برئاسة محمد بشير الهوني ومساعده كامل عراب. ومجلة هنا طرابلس وهي غير مجلة (هنا طرابلس الغرب) التي كانت خاصة بمساحة إذاعة طرابلس المحلية وتولى إصدارها الأستاذان علي مصطفى المصراتي وبعده عبدالقادر بوهروس.

وحين اكتشفت دوائر الأمن تنظيم حزب البعث الليبي في أواخر عام 1961 كانت الصحافة الحكومية تقوم برصد التحقيقات والمحاكمات ونقلها للقراء.. بصوت السلطة والحكومة! بينما صدرت في ذلك العام أيضا صحيفة مستقلة وحيدة في بنغازي هي الرقيب. كانت ترويستها تحمل عنوانا بارزا تحت اسم الصحيفة.. وهو (صوت الشعب العربي). ذلك حدث للمرة الأولى بهذا الشكل ووصل إلى الصحافة. كان رئيس تحريرها رجب محمد المغربي.

ونشطت في استقطاب العديد من الكتاب المستقلين. حرروا أبوابها ونشروا فيها نتاجهم. وكان من بينهم: فرج الشويهدي وطاهر رحومة وخديجة الجهمي وعبدالسلام قادربوه وفرج الشريف ومحمد وريث وعبد السلام شلوف.. وغيرهم. ثمة نقد وإشارات لبعض المظاهر السلبية وذات يوم فتح القراء أبصارهم على الصفحة الأولى. صورة كبيرة للزعيم عبدالكريم قاسم مع رئيس التحرير رجب المغربي في بغداد. لقاء وحوار معه.

الجريدة تحمل صوت الشعب العربي ويومها الزعيم كان في نظر (الشعب العربي) المجاور قريبا وبعيدا يلعن قاسم ولا يسأم من وصفه المستمر بالانحراف والخيانة. كانت الجريدة تطبع في مطابع عبدالله عابد السنوسي في بنغازي صاحب شركة ساسكو التي تنفذ طريق فزان كما سلف توضيحه وظلت تصدر أسبوعيا.

وهنا بدأت التدخلات الرسمية من قبل الحكومة في محاولة لاحتواء الصحافة بنشر الإعلانات وإغداق المكافآت لبعض منها. كانت المبيعات والاشتراكات لا تسد حاجة الصحف إلى مواجهة مصاريف الطباعة وتكاليفها. كانت الاشتراكات الحكومية هنا بابا جيدا وسخيا لمساعدة الصحافة بصورة كاملة ونشأ عن ذلك المزيد من الحساسيات والاتهامات والإشارات الخفية بين بعضها بتهم الميل للحكومة والدعاية لها والارتزاق من خزينتها على حساب الكلمة.

ولعل هذا اتضح يومها في ليبيا أكثر من أي بلد عربي آخر. في تلك الأيام أيضا أمم عبدالناصر الصحافة المستقلة بضربة واحدة. وصار الأهرام صوتا وحيدا له أيام مكاتب بولاق.. ثم في طريق الجلاء. كان السبب أكبر ويخفي أمورا أكثر مما تردد حول الخطأ الذي وقع في مانشيت صحيفة الأخبار.

عاد عبدالناصر من زيارته يومها لباكستان. تلازم ذلك مع القبض على سفاح الإسكندرية الذي استلهم سيرته نجيب محفوظ في روايته الشهيرة (اللص والكلاب). المانشيت صار القبض على عبدالناصر سفاح الإسكندرية أو ما شابه ذلك. إن هذا لم يكن سببا مباشرا في تأميم الصحافة المستقلة في مصر.

والصحافة العربية أيامها اقتربت كثيرا من الأوضاع في ليبيا وحاولت الاستفادة المالية خاصة مع بوادر ظهور البترول. ثمة مجلات وصحف معروفة في بيروت وبغداد والقاهرة وصل محرروها والعديد من كتابها ومسؤوليها. التقوا المسؤولين في الدولة. أجروا معهم المقابلات. وصوروا المعالم والمدن.

صدرت الأعداد في الخارج ووزعت في ليبيا فقط دون غيرها. احتوت دعايات لم تتجاوز المدح والنفاق. بعضها في الفترة نفسها كان من جهة ثانية يشتم الدولة ويتهمها بالعمالة والخيانة.. على طول الطريق. تلك تناقضات الصحافة عند إخواننا العرب.

انعكست علينا. ودوخت عقولنا. ولم تأت بجديد ينتشل التخلف ويؤازر مشاريع النهوض والتنوير. الصحافة التي تقوم بالدعاية ينظر إليها المواطن كما ينظر الى الكلمات القبيحة في الزوايا المظلمة.. والمراحيض والخرائب. القيمة دائما تظل في صحافة المبادئ والمواقف سواء داخل البلاد أو خارجها.

الدعاية المضللة قادت المواطن العربي إلى قلب الفخ المفعم بموت العقل والضمير. هناك سؤال تردد قديما عندنا في ليبيا مفاده.. (لماذا العرب فقط دون شعوب العالم هم الخونة والعملاء؟). سؤال طرحته نخب واعية أثناء دراستها الإعدادية والثانوية في بنغازي. وظل يجيب عليه المعلم أبوبكر الهوني في الفصل الدراسي وفي أنهر الصحف الصادرة في المدينة. الاتهامات الجوفاء لا تخلق الرجال ولا تبني الأوطان. تبقى المسيرة مكبلة بالتخلف.. والقهر ثم تقود إلى الانهيار.

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»