Atwasat

تاريخ الروح غير المدون

سالم العوكلي الثلاثاء 16 يونيو 2026, 03:35 مساء
سالم العوكلي

تجهيزا للدورة الثالثة من مهرجان الأسطى للفكر والفنون المفترض إقامتها في أبريل 2011، خططنا لأن يكون المحور الرئيسي لهذه الدورة عن فنون ليبيا في القرن (1911 إلى 2011) ويبدو أن اختيار البداية للعام الذي نزلت به القوات الإيطالية على شواطئ ليبيا كان منبعثه حدثا مفصليا في تاريخ هذا الكيان، وحيث يذهب بعض المؤرخين لتأكيد أن تسمية ليبيا بحدودها الحالية لم تظهر على خارطة الدنيا إلا في ذاك العام.

المهم، أننا اقترحنا في هذا المحور أن نسرد تواريخ فنون عدة في ليبيا خلال هذا القرن من خلال وضع كل تاريخ في سردية نقدية تجعل لكل فن قصته: الشعر، الرواية، القصة القصيرة، المسرح، الرسم، الموسيقى والمعمار (وحصل جدل لم يكتمل حول السينما كفن ملتبس في ليبيا الذي يبدو غائما أو غائبا من الأساس وأحيل المنطلق لأن يكون تتبعا لتاريخ دور العرض في المدن الليبية وثقافة الفرجة الشعبية والنخبوية خلال العقود التي كان مسموحا فيها باستهلاك الأفلام في دور عرض مجمعة).

وتواصلنا مع بعض الباحثين أو المهتمين بهذه الفنون لتجهيز بحوثهم للدورة القادمة، ما كان فكرة كتاب سيكون ثاني كتاب يصدر عن هذا المهرجان بعد الشروع في تجهيز الكتاب الأول الذي يجمع دراسات الندوة الرئيسية في الدورة الثانية من المهرجان (نقد الكتابة التاريخية في ليبيا) والذي للأسف ضاعت مسودته في مقر البيت الثقافي بعد أن استولى عليه فصيل إسلامي مسلح وعاث فيه خراباً، وما حدث أن رفض التاريخ كتابة هذه التواريخ المتناقضة معه، أو بمعنى ألطف اجتاح خيال تلك الثورة خيال الفنون جميعها وجعلها تعيد طرح أسئلتها بشكل مختلف. تاريخ الفنون يختلف عن التاريخ التقليدي رغم استخدام مصطلح (تاريخ) في كليهما ومن هنا تتأتى أهمية كتابة تاريخ روح الأمة عبر كتابة تاريخ فنونها وسيرتها الجمالية التي تجعل من متن السرد الهامش الإنساني بدل الأحداث الكبيرة.

يقر الروائي المؤرخ للرواية وفق اكتشافاتها الجمالية والمعرفية، ميلان كونديرا، أنه «في هاتين العبارتين: تاريخ ألمانيا، تاريخ فرنسا، يختلف المضاف إليه بينما يحتفظ مفهوم التاريخ بالمعنى ذاته. وفي عبارات: تاريخ الإنسانية، تاريخ التقنية، تاريخ العلم، تاريخ هذا الفن أو ذاك، ليس المضاف إليه هو فقط المختلف، بل حتى كلمة (تاريخ) تعني كل مرة شيئاً مختلفاً». بينما يقول الكاتب الفرنسي. جوليان جراك: «تاريخ الأدب، على العكس من التاريخ فقط، يجب أن لا يتضمن إلا أسماء الانتصارات، ما دامت الهزائم فيه ليست انتصارا لأحد»، كي يحدد الحاجز الفاصل بين التاريخ المادي وبين تاريخ الروح، وحيث أن تاريخ الأدب «على العكس من التاريخ فقط» ليس تاريخ أحداث أو مصادفات الولادة، بل تاريخ قيم. ولأن الهوية لا تصنعها السياسة ولا الحروب ولا الأحداث الكبرى فقط، اخترت محور تاريخ الشعر الليبي مبتدئاً من السؤال المبكر والمقلق للناقد خليفة التليسي «هل لدينا شعراء» لكني أخفقت كمن يبحث عن إبرة في كومة رمال، أو كمن يحاول أن يجمع خيوط حرير من غابة شوك، وفي السياق نفسه تبدت الهوية كهلام كلما حاولت لمسها. ولكن فلنبدل سؤال التليسي بسؤال آخر: هل لدينا تاريخ للشعر؟ إذا ما افترضنا مبدئياً أن التاريخ المقصود يعني الوقائع والصراع والحراك ضمن تغيرات زمنية تحددها الاكتشافات والمنعطفات المهمة، ويمكن تعميم السؤال نفسه على بقية الفنون.

للرواية الغربية، وللموسيقى، وللمسرح والرسم والشعر وحتى الخطوط والألوان تاريخ، استطاعت الحركة النقدية المواكبة لكل هذه الفنون أن تكتبه بشكل تراكمي وتحدد مساراته، ومنعطفاته، وثوراته، والأهم من ذلك أن هذا السرد يرصد تاريخ الاكتشافات، وتتبع مسار الثيمات الإنسانية التي تم طرحها وتجاوزها تباعاً، وبمعنى آخر، رصد الإضافات الجمالية والمعرفية التي انبثقت من خلال حركة التجربة الإبداعية، وفي الغالب، مثّل هذه الإضافات، مجموعة محدودة من المبدعين الذين من خلالهم استطاع النقد أن يرصد الانعطافات الهامة في تاريخ كل فن، فثمة مبدعون يوسعون مجال الإبداع أفقياً، وثمة مبدعون عبقريون يحفرون فيه رأسياً. فأين نحن من هذا؟ وما مدى إمكانية تلمس تاريخ من هذا القبيل لتلك الفنون؟ هل تاهت هذه التجارب مع غياب السرد التاريخي الذي يتابعها نقديا، ما جعلها ولفترة طويلة تجربة أفقية تراكم نفسها على مدى السنين دون رسم خارطة لها. ومن خلال الرؤية الواضحة لهذا الماضي يمكن للمشتغل في حقل كل فن أن يعرف أين يضع قدمه، وكيف يضيف ويطور، أو يكتشف حساسيات جديدة يتناغم فيها الشكل مع الخطاب، وبالتالي يذهب بالنقلات الشكلية عبر دروب يضيئها هذا التاريخ الطويل، ويحددها البعد الزماني، ولا تستقي أوهامها من تجارب مكانية مبعثرة جعلت تجربتنا الحديثة مغرقة في تجريب الأشكال دون أن تتبني تراكماً يمكن سرده دون تعثر.

كنا قد حددنا القوس الثاني للمحور بالعام 2011 كخاتمة قرن تشكلت فيه الهوية الليبية وروح الكيان عبر تقلبات عديدة كانت سمتها في الغالب الارتجال والارتباك، ولم ندرك وقتها أن العام 2011 سيكون نقلة هائلة في تاريخ هذا الكيان عبر ثروة شعبية تطيح بإحدى أعتى الدكتاتوريات وأكثرها تخلقاً، وهو جزء من ظاهرة في المنطقة سميت ربيعا انزاح بعدها خيال الفنون إلى مناطق أخرى غير مكتشفة. زلزال أطاح بعديد المفاهيم أو الاستعارات أو طبيعة الخطاب الفني عموما والحال مثلما كان يعتبر معظم النقد العربي أن هزيمة يونيو العام 1967 شكلت هي أيضا منعطفا غيّر طبيعة ووجهة وخطاب وحتى جماليات عديد الفنون، فعلت انتصارات الربيع العربي أكثر من ذلك لأنها لم تكن نتاج هزيمة حدثت في ظل بداية تشكل دكتاتوريات عاتية تحت تسميات مضللة (جمهوريات).

في بداية الحراك المجتمعي في تونس ثم انتقاله إلى مصر كتبت مقالة تحت عنوان «جيل القطيعة» تطرقت فيها إلى طبيعة هذا الجيل الرقمي الذي انفجرت مكبوتاته في تونس ثم مصر (لم تبدأ الثورة حينها في ليبيا) وهو جيل فاجأ العالم لأن الكثيرين كانوا ينظرون إليه كجيل خامل وغير مبالٍ، ولا تطلعات له، لكنه طيلة سنوات قبل الربيع العربي، كان معطياً للعالم بظهره، منكفئا على شاشات يرضع منها الضوء كأنها نوافذ مشرعة خارج الحدود بإطلالة على متغيرات العالم السريعة. وقبل أن يكون الإنترنت جزءا من متاع البيت الضروري، كنت حين أدخل مقهى إنترنت في درنه، أجده مكتظا بالفتية والشباب المنكفئين على هذه النوافذ، يقيمون صداقاتهم وعلاقات الحب في أصقاع الأرض، ويتابعون هذا الزخم التقني الذي يعدهم بالكثير، كي يغادروا عزلتهم التي فرضتها عزلة أنظمة كانت العتمة تقنيتها المفضلة في إعماء الحقائق وتزييف الواقع، وبالتالي كان الواقع الحي هو عالمهم الافتراضي وهذا العالم الجديد هو الحقيقي، وما كنا نعيشه في الواقع هو العالم الافتراضي الذي شكلته بروباغاند تلك الأنظمة.

وإن كنت أذهب في الغالب إلى القطيعة بمفهومها السياسي وما ترتب عنه من تداعيات في المجال الاجتماعي، إلا أن الفنون لم تكن في منأى عن التأثر بهذه الظاهرة، خصوصاً في بدايتها الجمالية الملهمة والتي أحالت الشارع العربي إلى كرنفال ملون من الرفض والتمرد الجذري (هذه المرة) لأن خطابات ما يسمى «الإصلاح» استُبدلت بهتاف جذري، والمفارق أنه لأول مرة هتاف نثري دون وزن أو قافية (الشعب يريد إسقاط النظام) وهذا الهتاف في حد ذاته شكل نقلة جمالية في الشكل والمضمون واستعاض بالهدم وإعادة البناء عن الترميم والتلفيق، وأعتقد أن عديد الفنون استجابت لهذه الرغبة الشاملة، ونتائج الربيع العربي ظاهرة بجلاء على عديد الفنون الكتابية والبصرية، وهي نتائج غير مرئية في مرحلة تم اختزالها فقط في وجهها السياسي غير المفرح.

على مستوى مجتمعات الربيع العربي يحس المتابع للشعر والسرد والسينما والدراما والمسرح والتصوير وغيرها أن هذه الفنون أطلق سراحها بعد ظاهرة التمرد الشعبي المفعم بالخيال، وأصبحت أكثر جرأة وأكثر تلاحماً مع الإنساني، وحدث هذا حتى في الدول التي لم يطلْها الربيع العربي مباشرة، لأن الفن بقدر ما هو غير مرئي قادر على تجاوز الحدود المكانية والزمانية لنزقه وتمرده.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»