ثمة صخرة تتوجها قلعة، وقلعة تظللها نخلة، جذور النخلة في التاريخ وما قبله، وذؤاباتها تسبح الله في السماء، أما عراجين رطبها فتنحني على الأرض مثقلة، تهزها رياح التاريخ فيتساقط رطبها محبة وحكمة للبلاد والعباد.
على تلك الصخرة في نالوت، وعلى مدى آلاف السنين، ظل الليبيون ينحتون في الصخر ويقيمون عمارتهم من الكهف إلى القصر ودار العبادة، كانت حضارة الحجر «القديم والحديث» قد بدأت تتشكل في أحد مسارحها المهمة.
في نالوت، كان الفأس الحجري والمقلاع وطاحونة الحبوب ومعصرة الزيتون ومسدى النسيج ومناديف الصيد، وكانت عصور البدايات قد ولدت وكبرت وسط هذه القلعة، هذه «اللالوت» القاسية كجبلها واللينة كنسيج نسائها.
كانت قسوة هذه الصخور درع تلك الحضارة وذاك الإنسان، منذ الديناصور وحتى المتصوفة، ومنذ تكفريناس وكاباو وحتى خليفة بن عسكر وعلي يحي معمر وعمرو النامي.
غومة المحمودي، وهو يعود مجددا إلى ثورته ضد الأتراك، حط بنالوت رحم وحصن الثورات، ومنها انطلقت ثورة خليفة بن عسكر ضد الطليان، بالضبط كما كانت لتكفريناس وهو يمضي حتى سرت بثورته ضد الرومان.
يقول عنها العالم الشماخي: «إنها مدينة الأشياخ»، حيث تكونت في رحم نالوت زوايا التعليم لتنشر المعرفة عبر البلاد وتخرج العلماء والفقهاء.
في بنغازي منتصف سبعينيات القرن العشرين، وفي أحد ممرات كلية الآداب، قابلت «عمرو النامي» النالوتي الوديع كما قال لي «السنوسي حبيب» وهو يعرفني به، كان حقا وديعا وشديد الصفاء كنسيم جبلي، عيناه العميقتان بحيرتان من المعرفة والمودة رغم قرون التصحر، وكفه وهي تحتوي قلق يدي تسكب للروح دون وسائط جرعات من الطمأنينة والثقة، وتتدفق عيناه ومن أعماقهما البعيدة بالطمأنينة والإيمان وحزن العارفين، ومضيت والسنوسي حبيب ومضى النامي في الغياب.
في سجن الجديدة قالوا إن ابن علي يحي معمر استطاع الهروب من السجن، كان علي يحي معمر أحد العارفين من نالوت الذين ذهبوا في الغياب.
في الطريق إلى نالوت لحضور مؤتمر علمي عن «عمرو النامي» كان النامي ونالوت ينصهران في عقلي، إنهما كائن واحد، حيث تنشئ الجغرافيا أبناءها وتمنحهم سماتها ومهاراتها، كان في النامي صلابة الصخر النالوتي وليونة ورقة نسيج الأمهات النالوتيات، وكانت صلابة حفاري الآبار والكهوف وبناة القلاع والقصور، ومعارف ومهارات صناع السروج وحتى المناديف والفضيات، وكان قلبه يعج بمعارف وألواح الزوايا والأشياخ.
كان ذلك المزيج النالوتي من بن عسكر والشماخي ويحي معمر، وكان أشبه بقصر نالوت الحديث، لكل تاريخ ولكل عالم ولكل شهيد غرفة من ذلك القصر «النامي».
ثمة جذور تضرب في الصخر ليس لتكمن هاربة خائفة، بل لتخرج من الصخر غابة من المعارف والجمال. تتوج الصخر قلعة وتظلل القلعة نخلة من المعارف والثورات، ثمة قصر نالوت «مصرفها المركزي» عبر التاريخ، ونكتشف الآن قصرها الأهم «النامي»، رأسمالها الرمزي الذي منحته لليبيا وللمسلمين.
كان النامي أحد المفكرين الإسلاميين الذين عملوا على إحياء الفكر الإسلامي ليكون نموذجا وملهما للنهضة. كانت تجربته المعرفية تتماثل مع تجربة سيد قطب ومحمد عمارة وغيرهما من التجارب الفكرية الإسلامية التي أنتجتها ظروف الاستعمار والتخلف. وكانت محاولة للنهوض بالإحياء وليس بالنقل والاستلاب في التجارب الأوروبية. ومساهمة النامي الأهم كانت في إحياء الفكر الإباضي وتقديمه كمدرسة وتجربة فكرية إسلامية قابلة للتحديث عبر التفاعل والمناظرة مع الأطروحات الفكرية الحديثة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات