Atwasat

ما تبقى لنا

امحمد شعيب 4 ساعات
امحمد شعيب

في زمن العواصف وتقلبات المناخ، وفي زمن الرياح الهوجاء التي قد تعيد تشكيل الأرض، يتحرك الإنسان، إن لم يكن بوعيه، فبفطرته العميقة، كبوصلة قديمة لا تخطئ، ليستقرئ ما يدور حوله وما يجري ليعيد تموضعه فيه. هنا توجهه رجاحة العقل ألا يتوقف عند ما فقده، ولكنها تشير عليه بالسعي لتقليل خسائره والحفاظ على ما تبقى.

تذكرتُ ما أود كتابته اليوم، عنوان رواية الروائي الفلسطيني غسان كنفاني (ما تبقى لكم)، وفي الهموم الليبية يصبح العنوان: «ما تبقى لنا» في الرواية صرخة فلسطينية ودعوة للفعل ومواجهة كل أشكال الهروب، والوعي بالعمل المنقذ وهو المتبقي للإنسان الفلسطيني. وفي تطورات المشهد الليبي، صارت مثل تلك الصرخة ملحة ولا تقبل التصالح مع الزمن.

هذه العبارة تشي بأننا خسرنا وفقدنا الكثير، وهذه الخسارة يتولد معها بالضرورة الاعتراف بها أولاً، مما يفرض على المرء التوقف وإجراء المراجعة؛ لا لاسترجاع ما فقده في الأغلب، ولكن لوقف مسيرة الخسران ونزيف الفقدان وتداعياته. نحن في هذه المرحلة مطالبون بهذه المراجعة وإعادة ترتيب أولوياتنا، فلا يكفي الركون لرؤية أيديولوجية ضيقة كمخرج للازمة، كما لا يكفي الانقضاض على ما تبقى من جسم الدولة التي تحتضر وكيانها المهتز.

في عام 2014، ومع بداية الحوار السياسي، التقيت بالعديد من السفراء والمبعوثين وغيرهم من العرب والأجانب، وكانت رسالتهم بالتصريح أو التلميح: «لا يمكن السماح لأحد أطراف الصراع بالانتصار على الآخر»، كما كانت الرسالة أيضاً واضحة في ضرورة أن تبقى المؤسسات المالية الكبرى فوق الجميع وخارج حلبة الصراع. غير أن ذلك لم يصاحبه عمل سياسي صادق وواضح وشامل لحل الأزمة في البلاد، بل تم النظر للأطراف الليبية نظرة واقعية مجردة، ككتل جغرافية ومادية، دون اعتبار لأية قيمة قانونية أو دستورية يحتمي بها أي طرف.

في أجواء المراوحة هذه، ومع تصاعد التوترات الإقليمية، لجأت القوى الخارجية للحصول على تموضع مادي على الخريطة الليبية. وفي هذا المشهد المشحون والمربك، سيطر خطاب جهوي إقليمي، وانشغل العقل السياسي الليبي بالسؤال العبثي والعدمي: كيف يمكن تجاوز الآخر وغلبته؟ لا كيف يمكن الوصول إلى توافقات وطنية معه ولو كانت مرحلية. حدث التباعد وتحول من صراع سياسي إلى تباعد مجتمعي أفقي، وهو أخطر صور الخصام.

في هذه الأجواء بدأ الحوار السياسي، الذي كان كاشفا للأزمة ومعترفا بها، ولكنه حاول نسج حالة من التوافقات الممكنة ووقف المزيد من الخسران. واجه الكثيرون فكرة الحوار بعدائية شرسة، خصوصا في الغرب الليبي، وانقسم المشهد فيه بين القوى المتحالفة والمسيطة؛ فخرج من رفضه، وتماهى معه التيار البراغماتي. وفي الوقت الذي انشغلت فيه الأطراف الليبية بكيفية الحصول على موقع في جسم الدولة المتهالك، حرص الخارج على تثبيت القائم تبعاً للجغرافيا بمبرر عدم الانحياز، مما يعني أن حالة انقسام جغرافية بدأت تعمل بصمت.

أظهرت الأطراف الليبية نزوعا نحو الاحتماء بالجغرافيا والحديث باسمها، واندفعت تبحث عن دعم خارجي لإثبات وجودها وموقعها في جسم الدولة المأمولة أو في أي اتفاق قد يحدث. صار الخطاب الإعلامي أكثر عدوانية ونفياً للآخر، وصرنا نسمع الحديث عن الشرق والغرب بتعبيرات جهوية تغلب فيها هذا الخطاب على الأيديولوجيا، وغاب الخطاب الوطني الشامل، حتى انقسمت البلاد إلى حكومتين.

في هذا السياق، مرر السفير الأميركي نورلاند ترتيبات «الميزانية الموحدة»، التي بدت في جوهرها كغطاء يداري بلداً قُسم بصمت؛ حيث أُخرج المصرف المركزي ظاهريا من الصراع، لتتحول موارد البلاد السيادية إلى ملف يُدار برعاية أطراف أخرى خارج إرادة القرار الوطني المستقل. وأخيراً، جاءت مبادرة «بولس» متماشية مع الأوضاع القائمة وقابلة بها، بل وتسعى لشرعنتها وتثبيتها. إنها مبادرة لا تتكلم عن بناء دولة، وإنما عن الاعتراف بالمؤسسات القائمة كما هي، وتحمل في طياتها هشاشة وأسئلة كثيرة قد لا تصمد أمام التحديات المنتظرة.

ولكن يبقى السؤال المهم، مع فرضية قبول هذه المبادرة: إلى أين ستقود البلاد؟ سؤال «ماذا بعد؟» هو سؤال مركزي، لا يكتفي بالإجابة عن الحاضر، ولكنه يقلق المستقبل: هل نحن نسير نحو التقسيم أم نحو فيدرالية ناضجة أم مبتورة؟

أبانت مبادرة السيد بولس عن تحول في رؤية الإدارة الأميركية، التي دأبت لسنوات على النظر للملف الليبي كملف أمني صرف، مضمونه مكافحة الإرهاب أو مراقبة التمدد الروسي والصيني في البلاد، دون أن ترفع مستوى اهتمامها بليبيا إلى ملف سياسي يعالج جذور الأزمة. واليوم، ربما أيقظت تحولات الجغرافيا السياسية في العالم الإدارة الحالية لأهمية ليبيا. وفي هذه الأجواء المشحونة بكل الاحتمالات والتقلبات، لابد من طرح السؤال الكبير: ماذا نريد وما هي أولوياتنا؟ ماذا عساها أن تكون الإجابة غير المحافظة على وحدة البلاد وبقاء الكيان الذي عرف باسم ليبيا؟

إننا ندرك أن زلزال عام 2011 لم يكن هو المنشئ الوحيد لهشاشة الوطن، ولكنه أضاء عجزاً مزمناً لدينا؛ فلم تفلح الأنظمة السياسية المتعاقبة، ولا الفكر السياسي بتنوعاته، في صهر وحدة البلد عبر سياسات شاملة؛ سياسية واقتصادية وثقافية. خضع الجميع للجغرافيا، واعتبروا أن الوحدة الوطنية قائمة بذاتها دون شك، وأنها لا تستحق جهداً إضافياً. غير أن التاريخ يعلمنا أن وحدة الوطن ليست مسألة جاهزة ومستقرة للأبد، بل إن تحقيقها وتقويتها يتطلبان جهداً متواصلاً عبر تراكم سنوات من العمل الواعي لتتغلب على عوائق نموها وتطورها.

ومع ذلك، حالتنا الوطنية ليست مستعصية مقارنة بتجارب دول أخرى. بين يدي هذه الأيام كتاب في غاية الأهمية يعرض تجربة مميزة في العالم لدولة ذات تعدد ثقافي ولغوي وهي سويسرا، عنوان الكتاب (الديمقراطية السويسرية / الحلول الممكنة للصراعات داخل المجتمعات متعددة الثقافات) للمؤلف فولف ليندر. يعالج هذا الكتاب نوع الديمقراطية التي أنقذت سويسرا من الحروب الأهلية، وهي بلد يحتوي على ستة وعشرين كانتوناً. تفردت هذه الدولة بما يسميها الكاتب «الديمقراطية التوافقية» التي تقوم على تقاسم السلطة والذي يمنع الفائز بأكثرية الأصوات من أن يحصل على كل شيء تاركاً الخاسرين دون أي شيء. وهي ديمقراطية تختلف تماماً عن ثقافة «ويستمنستر» البريطانية التي تحتكم إلى الأغلبية العددية البسيطة والتي لا تلائم المجتمعات المتعددة التكوينات.

يشير الكاتب إلى أن هذه الديمقراطية قاومت الضغط الخارجي وأنقذت سويسرا من التفكك الداخلي، وقد نجحت الكثير من تجارب البلدان التي تعاني إشكالية التعدد عبر تبنيها هذا الأسلوب الناعم. ويبقى لكل مجتمع أن ينسج أسلوبه الخاص في إطار هذه الفلسفة والرؤية.

وفي غير هذا الأسلوب، أثبت التاريخ أن المجتمعات المفككة، أو التي تشهد احترابا داخليا وتعيش تبعات الانكسار، قد تظهر فيها شخصية قوية بخطاب وطني جامع يلتف حوله الناس، لتجتاز البلاد احتمالية التصدع الداخلي أو السيطرة الخارجية. ويبقى الانحياز أو الأخذ بأحد الخيارين مسألة تحددها ظروف كل بلد، ومدى شجاعة نخبها في صياغة طريقها الخاص لإنقاذ ما تبقى.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»