ليس الفساد أخطر ما يهدد الدول، بل الاعتياد عليه. فالفساد، مهما اتسع، يبقى سلوكًا منحرفًا يمكن عزله ومعاقبته إذا بقي المجتمع ينظر إليه بوصفه استثناءً. أما حين تتحول سياسة «غض النظر» إلى ثقافة مؤسسية، فإن المشكلة لا تعود في الفاسد، بل في البيئة التي أعادت تعريف الفساد بوصفه أمرًا يمكن التعايش معه. هنا ينتقل المجتمع من مرحلة انتهاك القانون إلى مرحلة إعادة صياغة معنى القانون ذاته.
تخطئ كثير من النقاشات العامة عندما تختزل الفساد في الأموال المنهوبة أو العقود المشبوهة، لأن الخسائر المالية ليست سوى الوجه المرئي لظاهرة أعمق. فالفساد يعيد توزيع السلطة قبل أن يعيد توزيع الثروة. إنه يمنح النفوذ لمن لا يستحقه، ويحرم الكفاءة من حقها الطبيعي في المنافسة، فتتحول المؤسسات من أدوات لخدمة الصالح العام إلى شبكات لحماية المصالح الخاصة. ومع مرور الوقت، لا يصبح السؤال: «من هو الفاسد؟» بل: «من يملك القدرة على مساءلته؟»
إن أخطر ما تنتجه سياسة غض النظر ليس ازدياد عدد الفاسدين، وإنما انهيار الثقة العامة. والثقة ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل رأس مال اقتصادي وسياسي بالغ الأهمية. فالمستثمر لا يستثمر في القوانين المكتوبة، بل في توقعه أن تُطبَّق على الجميع. والمواطن لا يدفع الضرائب لأنه يحب الدولة، بل لأنه يثق بأن الآخرين سيدفعون أيضًا، وأن المال العام لن يتحول إلى غنيمة خاصة. وعندما تتآكل هذه الثقة، تبدأ المؤسسات في فقدان فعاليتها حتى وإن بقيت مبانيها قائمة ولوائحها سارية.
ولذلك فإن الفساد لا يعمل منفردًا؛ إنه يحتاج دائمًا إلى حليف صامت. هذا الحليف هو التغاضي، سواء جاء بدافع الخوف أو المصلحة أو الحسابات السياسية. فكل منظومة فساد مستقرة تقوم على شبكة من الصامتين تفوق في عددها شبكة المستفيدين المباشرين. ولهذا فإن التاريخ يُظهر أن الدول لا تنهار عندما يكثر الفاسدون، بل عندما يصبح الصمت عنهم أكثر ربحًا من مواجهتهم.
ومن هنا تبدو بعض حملات مكافحة الفساد محدودة الأثر، لأنها تركز على الأشخاص وتتجاهل البنية التي أنتجتهم. فاستبدال مسؤول بآخر لا يغير شيئًا إذا بقيت الحوافز المؤسسية التي تكافئ المحسوبية وتعاقب النزاهة. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح تكلفة مخالفة القانون أعلى من منفعته، بغض النظر عن الموقع أو النفوذ. وهذه ليست مسألة أخلاقية بقدر ما هي مسألة تصميم مؤسسي يضمن استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وشفافية الإنفاق العام، وحماية المبلغين عن الفساد.
ولا ينبغي النظر إلى هذه المبادئ باعتبارها ترفًا ديمقراطيًا. فالاقتصادات الأكثر تنافسية في العالم لم تحقق تقدمها لأنها تمتلك موارد أكثر، بل لأنها نجحت في بناء مؤسسات تجعل الثقة موردًا اقتصاديًا بحد ذاته. وحيث تغيب الثقة، ترتفع تكلفة الاستثمار، وتتراجع الإنتاجية، وتتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع، حتى يصبح النمو الاقتصادي نفسه رهينة لعلاقات النفوذ لا لقوانين السوق.
إن الأمم لا تُقاس بقدرتها على اكتشاف الفساد، فهذه مهمة يسيرة نسبيًا، وإنما بقدرتها على جعل التغاضي عنه مستحيلًا. فالقوانين قد تُكتب في أيام، أما ثقافة المساءلة فتُبنى عبر سنوات من استقلال المؤسسات واحترام سيادة القانون. وعندما يدرك المسؤول أن سلطته لا تمنحه حصانة، ويدرك المواطن أن صوته يمكن أن يغير، تبدأ الدولة في استعادة توازنها.
لهذا، فإن غض النظر ليس موقفًا محايدًا كما يبدو، بل هو قرار سياسي واجتماعي له كلفة باهظة. إنه اللحظة التي يتوقف فيها القانون عن حماية المجتمع، ويبدأ المجتمع في حماية من يخالف القانون. وعند تلك النقطة، لا يعود الفساد مشكلة تحتاج إلى حل، بل يصبح النظام نفسه جزءًا من المشكلة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات