تلجأ العديد من الأنظمة الاستبدادية إلى تشويه الأحداث الوطنية وطمسها، وضرب القيم المجتمعية وتغييرها، والتلاعب بالموروث الثقافي، وتفكيك المجتمع، وإحلال الولاء والهتاف للديكتاتور محل الانتماء للوطن.
في ليبيا عملت منظومة انقلاب سبتمبر منذ اليوم الأول على شيطنة الاستقلال، وتحول استقلال ليبيا وبناء مؤسساتها الإدارية والتعليمية والعسكرية إلى جريمة في خطابات عقيد الجماهيرية، ولعنة تلاحق الآباء المؤسسين والمجاهدين وأبناءهم وأحفادهم وفق العقيدة الثورجية.
وعند النظر إلى سيرة عقيد الجماهيرية، نجد أنه أنجز كل مراحل تعليمه الأساسي والثانوي والكلية العسكرية في عهد الاستقلال، وبعد أن أصبح ملازم الملكية عقيدًا للجماهيرية وصف النظام الملكي بالعمالة والرجعية، وبعد عقود من الحكم الديكتاتوري أطلق على نفسه لقب ملك ملوك القارة الأفريقية.
ومع كل ذكرى لإجلاء القواعد البريطانية والأميركية عن أرض الوطن نجد بعض المدونين يوزعون صكوك الوطنية على بعض أحداث زمن الجماهيرية، بالمقابل لن تجد لهم أي كتابات عن استقلال ليبيا الذي جاء نتيجة عقود من التضحيات والنضال، اختزلوا صفحات تاريخ ليبيا المشرف في ليلة الانقلاب، وتجدهم يُشيرون في كتاباتهم إلى أن الاحتفال بإجلاء القواعد الأميركية والبريطانية عن أرض الوطن واجبٌ وطنيٌ خالصٌ يعلو على خلافاتنا السياسية، ولكن الحقيقة خلاف ذلك، إنهم يرونه حدثًا مرتبطًا بقائدهم الأوحد، ولو كان دافعهم وطنيًا فلماذا لا يحيون ذكرى إجلاء القوات الفرنسية عن فزان، 30 نوفمبر 1956، ذلك الحدث التاريخي الاستثنائي الذي جاء في ظروف سياسية واقتصادية صعبة تمر بها الدولة الوليدة، والتي لم يتجاوز عمرها ست سنوات عند جلاء القوات الفرنسية.
جرى توقيع اتفاقية الصداقة الليبية الفرنسية في 10 أغسطس سنة 1955، بين المملكة الليبية المتحدة وفرنسا، تعهدت فرنسا بإجلاء قواتها من كل مناطق فزان، وتسليم مطارات سبها وغات وغدامس إلى الجيش الليبي، ووقع الاتفاقية عن الجانب الليبي رئيس الوزراء مصطفى بن حليم، وعن الجانب الفرنسي السفير الفرنسي في ليبيا موريس دوجان.
دولة في طور بناء مؤسساتها الوطنية قبل اكتشاف النفط، وفي أكثر الأقاليم الليبية فقرًا وأقلها من حيث عدد السكان، تحقق إجلاء القوات الفرنسية عن ولاية فزان يوم الأربعاء 30 نوفمبر وسط احتفال شعبي مهيب أمام قلعة براك التاريخية، وجرى إنزال علم فرنسا ورفع علم الاستقلال بحضور رئيس الوزراء مصطفى بن حليم ورئيس الأركان السنوسي الأطيوش، وخرجت القوات الفرنسية من كل مناطق وقرى فزان غير مأسوف عليها، ورفعت أعلام الاستقلال في كل القلاع التاريخية في سبها ومرزق وغات وأوباري وغدامس.
في نفس العام تأسست اللجنة الليبية لدعم الثورة الجزائرية، وشكلت فزان قاعدة خلفية استراتيجية لدعم الثورة الجزائرية بعد طرد القوات الفرنسية، حيث احتضنت مستودعات الأسلحة ومراكز التدريب، وتأمين طرق إمداد الثوار الجزائريين بالسلاح القادم من مصر، والدعم المقدم من مختلف المناطق الليبية.
بعد قرابة العام من إجلاء القوات الفرنسية من فزان حدثت معركة إيسين الشهيرة في أكتوبر 1957، عندما حاولت القوات الفرنسية مطاردة الثوار الجزائريين داخل الحدود الليبية، فتصدى لهم أهالي منطقة إيسين بمساندة الجيش الليبي، وذكر المؤرخ الجزائري محمد العربي الزبيري:
«إن معركة إيسين فتحت باب الكفاح المسلح ضد المستعمر الفرنسي في جنوب شرق الجزائر، وساهمت في فك الحصار عن الشمال الجزائري بعد اشتداد القتال به».
ختامًا: إن ما يميز إجلاء القوات الفرنسية من فزان ويجعله من أبرز فصول تاريخ النضال الوطني، هو أن كل الدول المجاورة لإقليم فزان كانت تحت الاستعمار الفرنسي في تلك الفترة، وهي الجزائر والنيجر وتشاد، الأمر الذي يؤكد أن إجلاء القوات الفرنسية من فزان هو حدث استثنائي، ونتاج منظومة عمل وطنية متكاملة، ارتكزت على إرادة الفزازنة، وإصرار البي عمر سيف النصر، مع دبلوماسية الملك إدريس وجهود حكومة بن حليم.
إن تصالح الشعب الليبي مع نفسه يبدأ بالاعتراف بالتشويه المتعمد الذي طال الذاكرة الوطنية، واعتبار 30 نوفمبر من كل عام عيدًا وطنيًا في كل أرجاء البلاد.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات