قال الفيلسوف الألماني فريديريك هيجل «كل ما هو واقعي عقلاني، وكل ما هو عقلاني واقعي»، ونسي أن يستثني ليبيا من هذه المقولة، فكل ما يحدث فيها ليس واقعيا وليس عقلانيا، والسبب في تقديري أن الزمن ثابت في ليبيا ومعظم الدول العربية، ويظهر على شكل خط دائري. يبدأ من حيث ينتهي وينتهي من حيث يبدأ، وهذا بالضبط ما فسره ابن خلدون في مقدمته. الدولة عنده تبدأ بدعوة دينية في مكان بعيد في الصحراء، تساندها عصبية قبلية وتنتهي بالاستيلاء على الغنيمة.
كل الدول في عصر ابن خلدون وقبله وبعده، تبدأ وتنتهي بهذا الزمن الدائري. في العصر الحديث خدعتنا مظاهر تنتمي إلى العصر الذي نعيش فيه. هكذا ظهرت الانقلابات العسكرية وقد أطلقت على نفسها ثورة، ورفعت شعارات تقدمية تتلخص في الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة، لتنتهي وهي أنظمة قمعية عائلية، وعندها اكتشفنا أن الدعوة الدينية تحولت إلى أيديولوجيا من بين عشرات الأيديولوجيات المتوفرة في السوق، وتحولت العصبية القبلية إلى عصبية عسكرية، سرعان ما ذابت مساحيقها لتظهر على هيئة عصبية قبلية عشائرية لخدمة عائلة حاكمة، والشيء الوحيد الذي لم يتغير هو الغنيمة فظلت غنيمة ريعية توزع وفقا لمزاج الحاكم.
ليس هذا خطأ ابن خلدون فلم تكن بين يديه إلا آلة تصوير شمسية، التقط بها صورا لزمنه وللزمن الذي سبقه، فظهرت صور شمسية الزمن فيها ثابت وغير متحرك، بينما هيجل في القرن الثامن عشر كانت بين يديه آلة تصوير لصور متحركة، فظهر الزمن متحركا، وكل ما فعله أنه أضاف الصيرورة لتصوره للتاريخ، فقال إن التاريخ لا يتطور بشكل عشوائي، وإنما يسير وفقا لعقلانية داخلية لتحقيق الغاية النهائية وهي الحرية، وبالتالي فإن المحرك الحقيقي للتاريخ هو الديالكتيك، ومثلما ترجمنا كل شيء بشكل غير دقيق، ترجمنا الديالكتيك إلى جدل، والجدل في اللغة العربية لها معنيان. النقاش العنيف الذي لا يفضي إلى توافق، وتعني أيضا الضفيرة فعندما تجدل المرأة شعرها تصنع منه ضفيرتين أو أكثر، في حين تعني كلمة ديالكتيك اليونانية النقاش أو الحوار الذي يفضي إلى الحقيقة هذا ما نجده عند سقراط وأفلاطون، بينما اعتبره أرسطو نوعا من الاستدلال الذي لا يعتمد على اليقينيات، واعتبره كانط نوعا من الوهم عندما يعجز العقل عن تجاوز حدود الخبرة، بينما فسره هيجل بأن التاريخ يبدأ بأطروحة، سرعان ما تظهر لها أطروحة مضادة، ومن الجدل بين الأطروحتين تظهر ضفيرة تجمع أهم ما في الأطروحة والأطروحة المضادة، ليكونا شيئا جديدا يسمى المركب، الذي بدوره سرعان ما يتحول إلى أطروحة لتظهر له أطروحة مضادة.
للمرة الأولى ينكسر الخط الخلدوني الدائري، ويظهر بدلا منه خط حلزوني متصاعد، والخط الحلزوني مثل الزمبرك نصف خطوة إلى الأمام، تعقبها نصف خطوة إلى الوراء، وهذا ناتج عن الجدل بين الأطروحة والأطروحة المضادة، فلا يمكن للأطروحة المضادة أن تلغي الأطروحة بالكامل، فثمة شيء منها سيكون موجودا في المركب، ولا تستطيع الأطروحة المضادة أن تملي كل شروطها، ولهذا تكتفي بنصف خطوة إلى الأمام، بينما تكتفي الأطروحة بنصف خطوة إلى الوراء، ولكن الخط يسير متصاعدا على الرغم من هذا التقدم والنكوص. هذا التفسير البسيط الذي يعرفه أي طالب فلسفة في سنته الأولى، جعل من إنجاز هيجل أهم تحول في فلسفة التاريخ، وحول التاريخ من ماض ميت مليء بالقصص إلى تفكير فلسفي حقيقي، أي نقل التاريخ من مواعظ أخلاقية، أو قصص في الكتب المقدسة نؤمن بها دون تفكير، إلى علم له منطق وقوانين.
أيهما أقرب إلينا اليوم كعرب وليبيين؟ هل هو التصور الهيجلي أم التصور الخلدوني؟ في الحقيقة ابن خلدون لم يصف نفسه ولا وصفه معاصروه بالفيلسوف، ولا يتميز عن بقية المؤرخين بشيء باستثناء مقدمته العبقرية، التي كتبها لتكون مقدمة لكتابه الأكبر وهو كتاب «ديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، ومن العنوان نعرف أنه سار على نهج من سبقه من المؤرخين المسلمين، مثل الطبري وابن الأثير، بينما لم يكتب هيجل كتابا واحدا كمؤرخ، وإنما كتب عن فلسفة التاريخ وصنع عمارة شاهقة، لم يستطع من جاء بعده أن يتجاوزها، قد يقف على يمينها أو يقف على يسارها، كما حدث لتلاميذه من اليسار الهيجلي، وما كان لماركس أن يكتب عن الجدلية المادية لولا هيجل، ولما تمكن نيتشه من تفجير التاريخ نفسه، معتبرا إياه نوعا من العبودية.
التاريخ لدينا جبل أو حفرة ليس لها قرار، نطوف حوله أو حولها وهو ثابت لا يتحرك، بينما نعيد تمثيل الثارات والأحقاد القديمة بوسائل تكنولوجية لم تكن متوفرة عند أسلافنا، وعلى عكس ابن خلدون يؤمن هيجل، أن الحروب والانهيارات الكبيرة لها دور في دفع التاريخ إلى الأمام، على الرغم من الثمن الفادح والقسوة التي يعيشها الناس، فالصراع بين الأطروحة والأطروحة المضادة يتطلب ذلك، وصولا إلى التوافق على المركب الجديد، وهذا ما يجعلني أطمئن إلى أن ما يحدث في ليبيا والسودان وسورية واليمن والعراق، هو صراع لا بد منه ولا يمكن تحاشيه، لأن الوعي الذي تعود عليه الناس لا يمكن أن يلغى بين ليلة وضحاها، ولا بد أن يجبر الناس على تغيير وعيهم في ظروف استثنائية من القسوة والعنف، ولأننا نعاصر هذه التحولات ونعيش واقعها الدموي يوميا، فنشعر أكثر من الأجيال السابقة واللاحقة بقسوتها، ولهذا يظهر لنا التاريح بوجهين متنافرين. أحيانا يظهر بوجه دموي مأساوي، وأحيانا يظهر بطريقة ساخرة تضحك المكان والزمان، ولهذا فانني أتفاعل معه بالطريقتين. بمثل هذا المقال أو بتعليقاتي الساخرة على صفحتي على «فيسبوك».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات