Atwasat

الوعي الزائف والانتخابات في ليبيا

سرتية العاتي 5 أيام
سرتية العاتي

في كل مرة تتعثر فيها العملية السياسية في ليبيا، يعود الحديث عن الانتخابات بوصفها طوق النجاة القادر على إنهاء المراحل المتعاقبة وبناء الدولة. وتتحول الانتخابات في الخطاب العام إلى مطلب جامع، حتى يكاد المرء يعتقد أن مجرد الذهاب إلى صناديق الاقتراع كفيل بنقل البلاد من الفوضى إلى النظام، ومن الصراع إلى الديمقراطية. غير أن هذا الاعتقاد يستدعي وقفة نقدية جادة، ليس رفضًا للانتخابات في حد ذاتها، وإنما تساؤلًا حول المكانة التي منحناها لها في وعينا السياسي.

يمكن القول إن جزءًا من الخطاب السائد في ليبيا يقع تحت تأثير ما يعرف فلسفيًا بـ«الوعي الزائف»، وهو مفهوم ارتبط بالنقد الاجتماعي لدى الفيلسوف الألماني كارل ماركس، ويشير إلى الحالة التي يدرك فيها الناس واقعهم بصورة مشوهة، فيركزون على الظواهر ويغفلون الأسباب العميقة التي تنتجها. وفي الحالة الليبية يبدو أن قطاعًا واسعًا من الرأي العام بات ينظر إلى الانتخابات باعتبارها الهدف النهائي، بينما هي في الأصل مجرد وسيلة ضمن منظومة أوسع من الشروط السياسية والثقافية والاجتماعية.

لقد جربت ليبيا خلال السنوات الماضية تشكيل حكومات متعددة عبر مسارات سياسية مختلفة، كما شهدت انتخابات وهيئات ومؤسسات انتقالية عديدة، ومع ذلك لم يتحقق الاستقرار المنشود. وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال جوهري: إذا كانت الحكومات السابقة قد تشكلت وفق إجراءات سياسية مشابهة، فلماذا لم تؤدِ إلى بناء الدولة؟ وهل يكمن الخلل في غياب الانتخابات أم في البيئة الفكرية والثقافية التي تُمارس داخلها السياسة؟

إن الديمقراطية ليست مجرد عملية انتخابية، بل هي ثقافة وقيم وممارسات يومية. فالانتخابات قد تنتج سلطة جديدة، لكنها لا تخلق بالضرورة مواطنًا ديمقراطيًا. ومن هنا تأتي أهمية ما أكده الفيلسوف والتربوي الأميركي جون ديوي حين اعتبر أن الديمقراطية أسلوب حياة قبل أن تكون نظام حكم. فالمجتمع الديمقراطي هو المجتمع الذي يتعلم أفراده الحوار، ويتدربون على احترام الاختلاف، ويؤمنون بحق الآخرين في التعبير والمشاركة، ويحتكمون إلى العقل بدلًا من الانفعال.

ومن هذا المنطلق يصبح السؤال الحقيقي: هل نحن مستعدون ثقافيًا لممارسة الديمقراطية؟ وهل استطاعت مؤسساتنا التعليمية والثقافية والإعلامية أن تزرع قيم المواطنة وقبول الآخر والتفكير النقدي؟ وهل القوى السياسية المتنافسة تمتلك عقلية ديمقراطية فعلًا، أم أنها تنظر إلى الانتخابات باعتبارها طريقًا للاستحواذ على السلطة لا وسيلة لإدارتها بصورة تشاركية؟

إن الأزمة الليبية تكشف في كثير من الأحيان عن ضعف ثقافة الحوار وسيطرة منطق الإقصاء والتخوين. فكل طرف يدعي امتلاك الحقيقة، ويجد صعوبة في الاعتراف بشرعية الاختلاف. وفي ظل هذه البيئة تصبح الانتخابات معرضة لأن تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الصراع بدلًا من أن تكون وسيلة لحله.

ولعل هذا ما أشار إليه الفيلسوف الليبي الراحل نجيب الحصادي عندما شدد على أهمية تغيير أساليب التفكير وتعلم قبول الاختلاف وتأجيل الخلافات الثانوية لصالح بناء المشترك الوطني. فالمشكلة ليست فقط في المؤسسات السياسية، بل في العقليات التي تدير هذه المؤسسات، وفي الثقافة التي تحكم سلوك الفاعلين داخلها.

كما أن الديمقراطية الحقيقية لا تقوم فقط على مبدأ حكم الأغلبية، بل على الاعتراف بحقوق الأقلية وحماية الحريات العامة واحترام القانون. ولهذا فإن بناء الدولة لا يبدأ من صناديق الاقتراع وحدها، بل يبدأ من بناء الإنسان القادر على ممارسة المواطنة الواعية. فالانتخابات قد تكون لحظة مهمة في المسار الديمقراطي، لكنها ليست المسار كله.

إن ما تحتاجه ليبيا اليوم ليس مجرد حكومة جديدة، بل مشروع وطني لإعادة بناء الوعي. مشروع يعيد الاعتبار للتعليم والتفكير النقدي والحوار والتسامح، ويؤسس لثقافة سياسية جديدة تجعل من الديمقراطية ممارسة مجتمعية لا مجرد حدث انتخابي عابر.

إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الليبيين ليس: متى ستُجرى الانتخابات؟ بل: كيف نبني مجتمعًا قادرًا على إنجاح الانتخابات؟ فالدول لا تُبنى بالصناديق وحدها، وإنما بالعقول التي تذهب إلى تلك الصناديق، وبالقيم التي تحملها، وبالوعي الذي يوجه اختياراتها.

وحين ندرك هذه الحقيقة سنفهم أن الانتخابات ليست بداية الطريق ولا نهايته، وإنما خطوة ضمن مسار طويل من البناء الثقافي والفكري والسياسي. أما الاكتفاء بالتعلق بها بوصفها الحل الوحيد، فقد لا يكون سوى شكل آخر من أشكال الوعي الزائف الذي يحجب عنا جوهر المشكلة ويؤخر مواجهتها.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»