في غضون ثلاثة أيام من يونيو 2026، بدت ليبيا وكأنها تتحرك أخيرًا: خريطة طريق وقعتها رئاسات المجالس الثلاثة في السادس عشر، وخطاب من المجلس الرئاسي إلى المبعوثة الأممية في اليوم نفسه، وحديث لمسعد بولس في «فايننشال تايمز» في السابع عشر، ثم بيان للقيادة العامة يحتضن المبادرة الأميركية، وكل ذلك عشية جلسة مجلس الأمن في الثامن عشر. حركة في كل اتجاه، وتقدم في لا اتجاه.
سباق تمثيل وليس سباق حلول
ما يجري ليس تقاربًا بين الفرقاء، بل تسابق على من يبلغ المنبر الدولي حاملًا «حلًا» قابلًا للتسويق. أصدر كل طرف وثيقته في اللحظة ذاتها، لا لينهي الأزمة، بل محاولة لتملك تعريفها قبل أن يبدأ التفاوض عليها.
فالمعركة الحقيقية ليست على بنود التسوية، بل على من يفرض روايته للمشكلة كنقطة انطلاق ملزمة.
خريطة المجالس: تحصين بلغة السيادة
اختارت رئاسات النواب والدولة والرئاسي أن ترسو وثيقتها على المرجعيات القائمة: الإعلان الدستوري، واتفاق 2015، وبوزنيقة، ولجنة 6+6، وأن تحدد موعدًا أقصى للانتخابات في فبراير 2027.
بهذا تطلب الوثيقة عباءة الشرعية الأممية، وقد تكون جزئيًا مخرجًا لمسار «المجموعة المصغرة» الذي ترعاه البعثة. لكن خصومها قرأوها محاولة من أجسام منتهية الولاية لتثبيت نفسها.
أما جدارها الاقتصادي فهو حصرية المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي، ورفض فك تجميد الأصول و«حساب المستفيد»، فيُقرأ بدقة أكبر سياجًا في وجه الاختراق الاستثماري الخارجي، والأهم انتفاع أطراف محلية دون غيرها، لا مجرد لغة وطنية عامة.
بيان القيادة العامة: قبول محسوب
في المقابل، لم يكن ترحيب القيادة العامة بمبادرة بولس بريئًا، بل قبولًا مشروطًا مغلفًا بالحماس. حين تمدح «الواقعية» فهي تمدح مبادرة تعترف بميزان القوة، وتعاملها طرفًا مؤسسًا لا طرفًا يُدمج لاحقًا.
وهي تحتضن «توحيد السلطة التنفيذية أولًا» لأنه يرفع موقعها، وتسيج العسكري بعبارة واحدة حاسمة: «عدم المساس بالقوات المسلحة». وتعيد تعريف الأزمة بأنها «سياسية» لتعفي البنية العسكرية من المساءلة، وتبقي لنفسها أبواب خروج تنقل عبء الفشل إلى الراعي الأميركي.
هو، في جوهره، صوت ثالث في اللحظة نفسها، يتصرف «كأنه رد» على خريطة المجالس دون أن يكون ردًا بالضرورة.
التناقض في قلب الرهان
غير أن الرهان هش من داخله. المبادرة التي تحتضنها القيادة العامة تتضمن، بلسان بولس، دفعًا أميركيًا نحو دمج الجيشين شرقًا وغربًا، أي عين ما يحرمه خطها الأحمر؛ فهي تراهن على راعٍ يحمل برنامجه ما تخشاه.
ثم إن هذا «السقف الأميركي» ليس سقفًا بعد؛ فبولس نفسه يصف خطته بأنها مكملة للمسار الأممي و«ترتيب قصير الأمد»، ممر نافذ لا قرار دولة مصادقًا عليه نهائيًا.
النفط هو المحرك
تحت السياسة كلها يجري النفط. تدفع واشنطن شركاتها، كـ«كونوكوفيليبس» و«شيفرون» و«توتال» عبر «الواحة»، نحو ليبيا، بوعد مضاعفة الإنتاج.
والمفارقة أن بوابة هذا المال تمر اليوم عبر حكومة الدبيبة والمؤسسة الوطنية في طرابلس؛ فهو من يعلن صفقاتها. ومن يمسك البوابة الاقتصادية غربًا يمنح الشرق سببًا بنيويًا إضافيًا للإصرار على إعادة هيكلة التنفيذي. فالدبيبة، واقعيا، ليس بيدقًا يبقى في الترتيب، بل حارس البوابة التي يطمح الجميع إلى مفاتيحها.
لماذا لا يتحرك الحراك؟
الخطأ أن نقرأ المشهد ثنائية بين «مجالس» و«قيادة». الميدان رباعي على الأقل: مؤسسات منقسمة، وقوة عسكرية شرقية، وحكومة غربية قائمة، وتشكيلات مسلحة في الغرب قادرة على التعطيل، ورعاة خارجيون يتداخلون ولا يتطابقون، وكل منهم يطلب عباءة الشرعية ذاتها.
هنا مكمن العطالة
في ليبيا نادرًا ما تُحسم معركة «من يعرف الحل»؛ فنمطها منذ 2014 هو ترسب المسارات بعضها فوق بعض دون أن يبتلع أحدها الآخر.
فموجة الخرائط الجديدة لا تذيب الانقسام، بل تضيف إليه طبقة شرعية أخرى. ويبقى اختبار الجدية تجريبيًا لا تأويليًا: ماذا خرج فعلًا من جلسة مجلس الأمن؟ هل تتحول خطة بولس إلى سياسة أميركية ملزمة؟ هل يقبل الدبيبة مجلسًا يرأسه صدام حفتر؟ وهل يتحرك سلاح الغرب؟
حتى ذلك الحين، يبقى ما نشهده حراكًا كثيفًا في المفردات، ساكنًا في الجوهر.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات