ولد عبدالرحمن بن خلدون عام 732 هجري، وتوفي عام 808 هجري، أي بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلادي، وهما القرنان اللذان بدأت فيهما الحضارة الإسلامية في الأفول، بينما كانت أوروبا في حالة صعود متسارع في العلوم الرياضية والفكرية والتقنية، وخاصة في القرن الثالث عشر، وإن مرت بظروف صعبة في القرن الرابع عشر، وظهور مجاعات وحروب أهلية طائفية من بينها حرب المائة عام. ومع تزايد قوة الدولة وتلاشي قوة الكنيسة، انطلقت أوروبا في القرن الخامس عشر في الكشوفات الجغرافية، بعد أن طردت المسلمين من الأندلس، لتكتشف قارة جديدة، وتصل إلى أستراليا ونيوزيلندا، بينما ودع المسلمون آخر فيلسوف لهم وهو الوليد بن رشد في القرن الثاني عشر، وكان ابن خلدون آخر الأعلام العظام الذين أنجبتهم حضارة تأفل بسرعة.
لماذا لم يكتشف المسلمون النظام الذي عاشوا في ظله منذ بداية الإسلام إلا في نهاية حضارتهم؟ ولماذا تحاشى ابن خلدون تطبيق نظريته على صدر الإسلام؟ كما أن الذين درسوا نظرية ابن خلدون أيضًا تحاشوا ذلك. يبدو أن هناك تواطؤًا ما بين الجميع، لأسباب دينية أو سياسية، ففي مقدمته يستشهد ابن خلدون بالدول التي ظهرت في المنطقة، ولكنه لم يستشهد بما حدث في مكة والمدينة، واكتفى بالتأكيد على أن الدعوة الدينية ركن أساسي لتكوين الدول إلى جانب العصبية القبلية.
النظرية كانت موجودة قبل ستة قرون من مولد ابن خلدون، فهل هو الوحيد الذي اكتشف النظرية، أم أن هناك من اكتشفها وطبقها قبل ابن خلدون؟ ثم جاء ابن خلدون مثل عالم آثار ليفسر لنا ما حدث. في تقديري أن النبي محمد هو أول من اكتشف نظرية ابن خلدون وطبقها بعبقرية، ولكن المؤرخين وعلى رأسهم ابن خلدون تحاشوا ذكر ذلك، خوفًا من أن يتهموا بالتشكيك في نبوة النبي. فالنبي الذي يوصف بالأمي مهمته إبلاغ الرسالة، وتجسيد مكارم الأخلاق في حياته، وهذا ما يحرص عليه الفقهاء، ولكن أن يكون إلى جانب ذلك مؤسسًا لأول دولة للقبائل العربية، وأن يكتسح خلفاؤه أكبر إمبراطوريتين في المنطقة، فهذا قد يجعله زعيمًا سياسيًا قل نظيره وقائدًا عبقريًا، ولكن ذلك ينزع عنه صلته بالسماء والوحي.
هذا ما يخشاه الفقهاء وقبلهم الحكام المسلمون، فأي إشارة لبشرية وإنسانية محمد يجعل عروشهم تغوص في رمال سريعة، فشرعية وجودهم مستمدة من الرسالة والنبوة. وكما يقول المفكر السوري محمد شحرور، لجأ الفقهاء إلى تحويل النبي محمد إلى مسيح آخر، عن طريق كتابة سيرة أسطورية مثل سيرة ابن إسحاق التي كتبها ابن هشام فيما بعد، وصياغة آلاف الأحاديث التي قيلت عنه، بالضبط مثلما فعل آباء الكنيسة مع المسيح، فالإنجيل ليس إلا سيرة المسيح وأقواله.
انتصر بطريقة عبقرية في غزوة بدر وانهزم في غزوة أحد، لأن رماة السهام طمعوا في الغنيمة وتركوا مواقعهم، وهو ما كان ينتظره خالد بن الوليد الذي كان يقاتل في صفوف قريش. وفي غزوة الخندق طبق ما أشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق، وبالتالي فهو قائد يخضع للشروط الإنسانية، وبالتالي نتساءل لماذا لم تحارب معه الملائكة في أحد بينما حاربت معه في بدر؟
عندما كان ضعيفًا في مكة لم تكن للرسول عصبية، باستثناء عصبيته العائلية التي حمته بعض الوقت، ولكنها لم تحم أنصاره الضعفاء، الذين طلب منهم الهجرة إلى الحبشة، بينما اضطر في النهاية إلى الهجرة إلى المدينة، حيث كون عصبية جديدة لم يعرفها العرب قبله، وهي عصبية الأخوة تحت لواء الدعوة الدينية، والتي كانت كافية لتعيده منتصرًا إلى مكة.
الهجرة إلى الحبشة ثم الهجرة إلى المدينة لم تأتِ استجابة لنص قرآني، كان اجتهادًا من الرسول، وهنا لا بد أن نميز بين الرسول والنبي والقائد. النبوة تعني لغويًا المكان المرتفع من الأرض، واختلف الفقهاء في التفريق بين معنى النبي والرسول، واعتبروا أن الرسول أرفع من النبي، فالرسول هو من أوحي إليه بشرع جديد، أما النبي فهو الذي كُلِّف بتبليغ شرع من سبقه، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا.
عندما نراجع كتب السيرة والمغازي، نجد أن حياة الرسول تمتلئ بالمعجزات والخوارق منذ طفولته وشق صدره، وما روي على لسان مرضعته حليمة السعدية من الخير الوفير الذي نزل عليهم بعد إحضاره من مكة، هذه القصص حجبت قدرًا هائلًا من الحقيقة. فالرسول العربي، على خلاف من سبقه من الرسل، ليس في حياته معجزات، فكل ما قام به إما بتكليف من الله نجده في القرآن، أو اجتهاد شخصي فرضه الموقف الذي واجهه. يبدو أن النبوة شرط أساسي لقيام الدول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولهذا أرسل الله أكثر من 25 نبيًا ورسولًا إلى هذه المنطقة، ولم يرسل أحدًا إلى بقية العالم: «ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص» 78 سورة غافر.
وبعد خاتم الأنبياء والمرسلين تحولت النبوة إلى دعوة دينية، وإلى الادعاء بظهور المهدي المنتظر مرة في السودان وقبله المهدي بن تومرت، ومع ذلك لم يتوقف أدعياء النبوة، وآخرهم معمر القذافي عندما سألته الصحفية الإيطالية ماريلا بيانكو في كتابها «القذافي رسول الصحراء»، هل رعيت الغنم؟ فأجابها دون تردد: «ما من نبي إلا ورعى الغنم».
فإذا علمنا أن الكتاب نُشر في سنة 1974 عرفنا أن القذافي كان مسكونًا بوهم النبوة منذ زمن مبكر، ولهذا شعر فيما بعد بغيرة من المحمدين وهما محمد رسول الله، والإمام محمد بن علي السنوسي، الأول نفى أن يكون قبره معلوماً، كما استغرب لماذا يطوف المسلمون بالكعبة وهي صنم، أما الثاني فأخرج رفاته من قبره ورماها في الصحراء، كما ادعى بأنه لم يكتب الكتاب الأخضر وإنما كتبته البشرية، ولأنه لم يستطع القول إنه رسول الله، اكتفى بأن يكون رسول البشرية.
منذ ذلك الوقت كل الدول التي نجحت تأسست من خلال دعوة دينية مهاجرة، وليست مقيمة قرب السلطة الحاكمة، أما الخلاف بين المسلمين بعد وفاة النبي في سقيفة بني ساعدة بالمدينة، فقد حسمته العصبية القبلية القريشية، وظلت السلطة حكراً على قريش حتى القرن العشرين، ولم يصل أنصاري واحد إلى السلطة.
يمكن إيجاد الكثير من الأعذار لابن خلدون، فقد عاش في عصر مضطرب، خرجت فيه معظم مدن الأندلس من سيطرة المسلمين لصالح الإسبان بما في ذلك الحواضر الكبيرة مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة، وكانت دولة الموحدين قد سقطت في المغرب، لتخلفها ثلاث أسر هي بنو مرين في المغرب الأقصى، وبنو عبد الواد في الجزائر، وبنو حفص في تونس، وكانت هذه الأسر في حالة نزاع دائم.
وفي هذه الأجواء خاض ابن خلدون غمار السياسة لمدة ربع قرن، كاتبًا للسلطان ثم وزيرًا في تونس، كما عمل كاتبًا ومؤرخًا في دولة أبي عنان المريني في فاس، ثم عينه أبوسليم المريني مسؤولًا على خطة المظالم، وفي غرناطة أصبح وزيرًا في بلاط بني الأحمر، ثم تقلد منصب الحاجب في بلاط أمير بجاية، قبل أن يستقر في تلمسان ليتفرغ للعلم والتدريس، كما تولى العديد من المهام الدبلوماسية كسفير ومبعوث لحكام المنطقة وخاصة مع القبائل البدوية.
وفي الأربع والعشرين سنة الأخيرة من حياته استقر في القاهرة، حيث تولى التدريس في الجامع الأزهر كأستاذ للفقه المالكي في المدرسة الظاهرية، بعد أن بدأ في كتابة كتابه الرئيسي «كتاب العبر والمبتدأ والخبر» عام 1394م، وفي عزلته بقلعة بن سلامة في الجزائر كتب مقدمة الكتاب المذهلة، التي اشتهرت أكثر من كتابه الرئيسي.
وللأسف الشديد لم ينتبه أحد لا في مصر ولا في المغرب الكبير ولا في المشرق لأهمية هذه المقدمة، فقد دخلت المنطقة في سبات شتوي طويل، حتى جاء المستشرق الفرنسي أتيين مارك كاترومير فطبع المقدمة في باريس عام 1858، ومنها ترجم الفرنسي دي سلان المقدمة إلى الفرنسية، وبعد قرن ظهرت ترجمة روزنتال إلى الإنجليزية، وترجمة صبحي بن شامان إلى التركية، أي أننا آخر من اكتشف كنوزنا الثمينة، وهذا مؤشر لانحطاط أمة لم يشهد التاريخ مثله.
ليس ابن خلدون عبقريًا سبق زمانه، ولكن ما كتبه في المقدمة ظل يتكرر في هذه الربوع حتى الآن. انتقد الأوروبيون كبار فلاسفتهم ومفكريهم وتجاوزوهم، ولكن البنية الثقافية والاجتماعية التي فسرها ابن خلدون ظلت ثابتة رغم أنف التاريخ، لأنها ارتبطت بالمقدس الذي لا يُمس. حتى ابن خلدون لم يجد الجرأة ليقول إن النبي محمد قد اكتشف نظريته قبله بستة قرون كاملة، وعندما ترتبط النظرية بالمقدس تصبح ثابتة ثبات الكواكب والأجرام السماوية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات