Atwasat

ترهونة.. جغرافيا المقابر الجماعية وسياسات الإفلات من العقاب

كريم سلامة 3 ساعات
كريم سلامة

بعد ست سنوات من العدالة المعطلة والتقاعس المؤسسي في الرابع من يونيو 2026، أعلنت الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين نبش مقبرة جماعية جديدة في منطقة «المشروع الزراعي 5 كم» غربي مدينة ترهونة، ما أسفر عن استخراج أربع جثث مجهولة الهوية، بعد تنفيذ ما يقارب 987 حقلاً تجريبياً. لم يكن هذا الإعلان حدثاً طارئاً، بل حلقة جديدة في سلسلة توثيقية دموية بدأت في العاشر من مايو 2020، لتكشف حجم الفظائع التي خلفتها سنوات سيطرة مجموعات «الكانيات» المسلحة على المدينة.

اليوم، وبعد مرور أكثر من ست سنوات على تكشف هذه الجرائم، لا تزال الأرض تلفظ ضحاياها، ولا يزال 66 مفقوداً من أهالي ترهونة في عداد الغائبين قسراً، تاركين عائلاتهم معلقة في برزخ الانتظار؛ يطاردها سؤال بنيوي: كيف يستمر تدفق الضحايا من باطن الأرض بينما تتباطأ منظومة العدالة في ملاحقة الجناة فوقها؟

المقابر الجماعية كجريمة مستمرة ضد الإنسانية
لا يمكن مقاربة ملف المقابر الجماعية في ترهونة بوصفه مجرد وقائع جنائية معزولة أو تبعات جانبية لنزاع مسلح؛ بل هو تجسيد لأركان متكاملة لجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت وفق نهجٍ نسقي ممنهج، أفضى إلى حالات اختفاء قسري وإعدامات خارج نطاق القضاء وتطهير عائلي.

في هذا الصدد، يستند التكييف القانوني لهذه الجرائم إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (ميثاق روما الأساسي)، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، التي تقر بوضوح بأن الاختفاء القسري يشكل «جريمة مستمرة» لا تتقادم إلا بانكشاف مصير الضحية أو تحديد مكان وجودها.

ومن منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، يترتب على الدولة الليبية التزامٌ قانوني أصيل وقاطع بالبحث والتحري والمحاسبة؛ التزامٌ لا يخضع للمساومات السياسية أو التوازنات الأمنية الهشة التي تفرضها سلطات الأمر الواقع، وهو ما أكدته بشكل متكرر تقارير بعثة تقصي الحقائق المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن ليبيا، التي وثقت هذه الانتهاكات بوصفها نمطاً إجرامياً متكرراً يستوجب الملاحقة الجنائية الناجزة.

في هذا السياق، تؤكد حنان صلاح، مديرة مكتب شمال أفريقيا في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، هذه المسؤولية المباشرة بقولها: «منذ الاكتشاف المروع للمقابر الجماعية حول ترهونة، تظل السلطات مسؤولة عن اتخاذ الخطوات المناسبة لتحديد هوية الجثث، وتقديم المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة إلى العدالة، ويشمل ذلك مسؤولية السلطات الليبية عن اتخاذ خطوات لحماية وتأمين مواقع المقابر الجماعية المختلفة في ترهونة».

العوائق البيروقراطية والمنظومة الأمنية المتهالكة.. التعطيل الممنهج بغطاء قانوني
تواجه جهود عائلات الضحايا والفرق الميدانية عائقاً هيكلياً يتمثل في «أدوات التعطيل البيروقراطي»؛ إذ تُشترط سلاسل معقدة من أوامر التكليف والموافقات الإدارية قبل البدء في مسح أو فتح المواقع المشتبه باحتوائها على مقابر جماعية.
وعلى الرغم من أهمية الضوابط الإجرائية لضمان سلامة الأدلة الجنائية، فإن تحويل هذه التدابير إلى ذريعة للمماطلة يثير شكوكاً مشروعة حول توافر الإرادة السياسية لكشف الحقيقة الكاملة.

ففي قضايا العدالة الانتقالية، الزمن ليس عنصراً محايداً؛ فالتأخير المتعمد في نبش المواقع يؤدي مباشرة إلى تآكل الرفات، وتلف الأدلة الحيوية، واستحالة استخلاص الحمض النووي، فضلاً عن مضاعفة التنكيل النفسي بذوي المفقودين.

هذه العرقلة البيروقراطية تتقاطع مع عجز حاد في البنية الأمنية والقضائية لحماية أطراف النزاع القانوني، وهو ما تُحذر منه حنان صلاح بوضوح قائلة:
«لا توفر الدولة الحماية الكافية للمهنيين القانونيين والمتهمين والشهود في ليبيا، وتعد الهجمات وأعمال الترهيب والمضايقة أمراً شائعاً، ولا تزال مستمرة. ينبغي على السلطات ضمان السلامة الجسدية لجميع الأطراف المعنية بالقضايا القضائية، ووضع برامج ملائمة لحماية الشهود».
إن البيروقراطية هنا تفقد وظيفتها التنظيمية، وتتكامل مع الترهيب الأمني، لتتحول إلى أداة لعرقلة العدالة، وتأمين الإفلات من العقاب.

سرديات الضحايا.. تفكيك بنية الترهيب من واقع التجربة الحية
أزهار هرودة.. مواجهة منظومة الصمت

تُجسد تجربة الناشطة أزهار ميلاد هرودة مرارة المعاناة المزدوجة التي تواجهها عائلات ترهونة؛ فمنذ عام 2021 خاضت أزهار رحلة شاقة في تتبع جهود البحث، وتجرعت مرارة التعرف على جثامين شقيقاتها الثلاث (ريمة، وحواء، وليلى). لكن مأساتها لم تتوقف عند حدود الفقد، بل امتدت لتصطدم بواقع أشد قسوة حين عاد أشخاص تتهمهم العائلات بالارتباط بجرائم «الكانيات» إلى المدينة، ليتحركوا علناً وبحرية.

تتحدث أزهار بصدمة عن رؤية من تعتبرهم مسؤولين عن مآسي المدينة وهم يتجولون داخل المؤسسات الرسمية، وتحت مظلات أمنية مختلفة، في وقت تجد فيه العائلات نفسها عاجزة عن الحصول على استجابة قانونية واضحة لشكاواها، لتدور في حلقة مفرغة من الإحالات المتبادلة بين مراكز الشرطة والبحث الجنائي والنيابات.

ومع اكتشاف المقبرة الأخيرة في يونيو 2026، عاد جرح شقيقيها (مفتاح وعلي ميلاد هرودة)، اللذين اختفيا منذ فبراير 2018، لينزف من جديد؛ حيث عثرت أزهار في الموقع على بقايا ملابس تعتقد أنها تطابق ما كان يرتديه أحدهما يوم اختطافه، لتختصر تلك اللحظة مأساة آلاف الساعات من الانتظار الذي يصبح فيه العثور على رفات الأبناء سقفاً لطموح عائلة أنهكها الغياب.

معاذ السني.. رحلة البحث عن يقين المصير
في سياق متصل، تأتي سردية معاذ مصطفى السني، الذي يبحث عن والده الدكتور مصطفى السني المفقود منذ عام 2019، لتكشف هذا الفقد الغامض الذي يضع العائلات في منطقة رمادية قاتلة بين الحياة والموت؛ فلا يملك المرء يقيناً بالفقد ولا أملاً بالعودة.

وتجسد والدة الدكتور مصطفى ذروة هذه المأساة، فهي لا تزال تعيش تفاصيل الانتظار القاسي، تحصي أيام الغياب بقلبٍ أنهكه الأمل المعلق، وتنتظر مع كل إعلانٍ عن مقبرة جديدة أن يُزاح الستار عن المصير الذي سلبها شريك حياتها، بينما يواصل معاذ نضاله، للمطالبة بكشف مصير 66 مفقوداً من أهالي ترهونة، مؤكداً أن وجع الفقد لا يمكن أن يندمل إلا بمعرفة الحقيقة.

عبد الكريم أبوكليش.. التصفية الممتدة وأمنية الغياب الأخيرة
تأخذ الجريمة طابعاً أكثر نسقية في رواية عبد الكريم أبوكليش، أحد أفراد عائلة أبوكليش التي دفعت ثمن غياب المحاسبة بفقدان 23 شخصاً قُتلوا على يد «الكانيات» منذ عام 2015.

لم تنتهِ فصول المأساة بموت هؤلاء، بل لا تزال مستمرة مع وجود ستة أفراد آخرين في عداد المختفين قسرياً بعد اختطافهم بين عامي 2019 و2020. ويشير عبد الكريم إلى أن العصابة كانت تتصيد العائلات بنمط تطهيري؛ ففور تصفية فرد، يتم تتبع بقية أقاربه، واستهدافهم تباعاً.

يصف عبدالكريم هذا العذاب الممتد بعبارة تلخص واقع المدينة: «منذ سنوات طويلة وكأن باب العزاء في بيوتنا لم يُغلق». ومع كل إعلان عن مقبرة جديدة، يتسلل الأمل إلى قلوبهم، لمعرفة مصير المختفين الستة. وقد انطبعت هذه الفظائع في تفاصيل الحياة اليومية للعائلة؛ فالأطفال الصغار يعانون اضطرابات صدمة حادة، ورواتب المختفين متوقفة منذ ست سنوات دون مراعاة لظروفهم، مما يضاعف الأعباء اليومية على الناجين.

وتتجسد ذروة الألم في هذه السردية عند والدة عبد الكريم، التي تصارع المرض وتتمنى أمنية واحدة؛ أن تتمكن من معرفة مصير أبنائها، ودفنهم بشكل لائق، حيث يدعو عبدالكريم بمرارة أن تتمكن العائلة من التعرف على جثمان أخيه محمد، وإنهاء هذه الحقبة من الغياب المظلم.

ويحمل عبد الكريم السلطات المسؤولية الكاملة، كاشفاً أن شقيقه اختُطف في أثناء اقتحام المنزل من قِبل جهات أمنية (الأمن الداخلي – الدعم المركزي)، وأن بعض المتهمين الذين تشتبه العائلات بتورطهم لا يزالون يرتدون الزي العسكري، ويتحركون داخل مؤسسات أمنية وعسكرية في شرق البلاد وغربها، بينما يطالب الأهالي، بلا مجيب، بفتح التحقيق في مواقع يعتقدون أنها مقابر جماعية غير مكتشفة فيما بات يُعرف بـ«مثلث الموت» في ترهونة.

إعادة تدوير المشتبه بهم.. تقويض ركائز الاستقرار
إنَّ الإمعان في إعادة تدوير المشتبه بتورطهم في فظائع ترهونة، ودمجهم في التشكيلات العسكرية والأمنية، سواء تحت مظلة وزارة الدفاع كاللوائين 111 و444، أو ضمن قوات «القيادة العامة» كاللواء 77، لا يعد مجرد خلل إداري، بل هو تفكيك ممنهج لأسس السلم الأهلي.

والأدهى من ذلك أن هذا الدمج يتم في وقتٍ لا تزال فيه مذكرات قبض دولية صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية (ICC) تلاحق ستة أفراد من قيادات وعناصر ميليشيا «الكانيات» المتورطين في هذه الفظائع.

إنَّ هذا المسلك يُنتج دورة إفلات من العقاب ذاتية التجديد؛ حيث تُمنح الحصانة لمن وُجدت عليهم شبهات جنائية، مما يحول هذه المؤسسات من أدوات لحماية القانون إلى كيانات تحمي الجُناة.

إنَّ هذا التوجه يضع ليبيا أمام مخاطر وجودية؛ فالإفلات من العقاب ليس مجرد عجز تقني عن الملاحقة، بل هو سياسة ضمنية تُشرعن العنف. فعندما يرى الضحايا وذوو المفقودين أن من تسببوا في مأساتهم يرتدون الزي الرسمي، ويشغلون مواقع النفوذ، فإن ذلك يؤدي إلى تقويض العقد الاجتماعي وفقدان الثقة المطلق في الدولة، وهو ما يدفع المكونات الاجتماعية نحو العدالة الخاصة أو الانتقام الفردي، مما يُنذر باندلاع دورات عنف جديدة لا يمكن التنبؤ بمدى اتساعها.

كما يؤدي هذا المسار إلى تطبيع الإفلات من العقاب، وترسيخ ثقافة أن التشكيلات المسلحة أقوى من القضاء، الأمر الذي يجهض أي محاولة لبناء مؤسسة أمنية مهنية، ويبقي السلاح خارج سيطرة الدولة فعلياً، فضلاً عن أن بقاء المشتبه بهم في مواقع السلطة يمنحهم القدرة على التلاعب بالأدلة، وترهيب الشهود، مما يكرس الجريمة كحالة مستمرة لا تنتهي.

إنَّ هذا النهج يُرسخ استدامة الأزمات، ويجعل من ترهونة نموذجاً لمستقبل يرتكز على حكم القوة بدلاً من قوة القانون، وهو ما يتنافى مع مبادئ العدالة الانتقالية التي تفرض حتماً التطهير المؤسسي كشرط لا غنى عنه لأي تحول ديمقراطي. إنَّ استمرار هذا المسار لا يُهدد فقط العدالة للضحايا، بل ينسف أي فرصة حقيقية للاستقرار الوطني، مؤكداً أن الجريمة التي لا تُحاسب ستجد حتماً طريقها للتكرار تحت غطاء الشرعية.

الخلاصة.. العدالة المؤجلة إنكار للعدالة
بعد ست سنوات من انكشاف المأساة، يتضح أن حصر جهود الدولة في البُعد التقني -المتمثل في استخراج الرفات وتحديد الهويات- دون ربطه بمسار قضائي صارم للمحاسبة وحماية الشهود هو إفراغ لجوهر العدالة.

إن نجاح الفرق الفنية في نبش المقابر هو إجراء إنساني ضروري، لكنه يظل منقوصاً ما لم يُستكمل بتقديم الجناة والمحرضين وشركائهم إلى محاكمات عادلة وعلنية، والتحقيق الشامل في كل المواقع المشتبه بها، وعلى رأسها «مثلث الموت».

إن ملف ترهونة يضع الدولة الليبية ومؤسساتها القضائية أمام اختبار تاريخي؛ فإما المضي قدماً في إنفاذ القانون وإنصاف الضحايا، أو تكريس معادلة الإفلات من العقاب التي ستظل خطراً مستداماً يهدد أي أفق للاستقرار أو المصالحة الوطنية الحقيقية.

تصف حنان صلاح هذا المشهد الحقوقي والمعاناة المستمرة للمئات باختصار مأساوي قائلة: «أقارب المئات من الأشخاص الذين تعرضوا للاعتقال التعسفي والتعذيب، وأولئك الذين تعرضوا للاختفاء القسري، وعُثر عليهم لاحقًا في مقابر جماعية منتشرة في أنحاء ترهونة، ما زالوا ينتظرون العدالة، ولهم الحق في معرفة مصير أحبائهم».

إن ترهونة لا تنتظر استخراج جثامين أبنائها وتحسين الإجراءات الفنية فحسب، بل تنتظر، وبإلحاح، قيام دولة القانون الحقيقية والمحاسبة الناجزة.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»