انشغل الفلاسفة والمفكرون والأدباء منذ القدم بظاهرة ملازمة للإنسان، تبدو أكثر وضوحا عندما تشتد قسوة الواقع عليه، وتختل موازين العدالة، وتخلو حياته من صور السعادة ويغيب الحب، عندها لا يملك الإنسان من أمره إلا أن يعود بفطرته، للبحث عن ملاذ آمن خارج الجغرافيا المحيطة به.
هذا الملاذ، الذى يبدو أنه ولد به، هو اللجوء إلى اللاموجود، هو عالم مرافق له، ويعيش في داخله، وموازٍ لعالمه وحاضرا في كل لحظات صراعه، عالم يستمد منه القوة، لمواجهة قسوة الواقع ووحشيته. إنه حالة وجودية للمقاومة التي وصفها الفيلسوف الإنجليزي توماس مور في 1516 باليوتوبيا.
هذه اليوتوبيا اعتبرت صرخة احتجاج إنسانية وسلاحا في وجه واقع مأزوم. هذه اليوتوبيا، أو التي يسميها البعض اللاموجود، وجهت أفكارنا ومشاعرنا فترة طويلة، ومازالت تمثل في الحالة الوطنية مدينة فاضلة يعيش فيها الإنسان حياة إنسانية، حيث يسود الرخاء والعدل والحب والإخاء.
كلنا نهرب إلى عالم ودنيا جديدة من اضطراب حياتنا وبؤسها، هذه اليوتوبيا كانت ملاذا للجميع، فعند المهتمين بالشأن السياسي هرب البعض منهم إلى دولة عربية جامعة، وهرب آخرون بحنين إلى ماضٍ قديم واستنساخ تجربته، وغيرهم نحو دنيا جديدة تخلو من الاستغلال والعبودية.
أفلحت اليوتوبيا في خلق مجتمع مثالي في الذهن بآفاق جديدة من الحرية والعدالة. كما أفلحت في خلق حماسة متقدة نحو المستقبل الموعود. غير أن هذا التوق واليقين بمستقبل آخر وعالم جديد خلق عندنا حالة من السكون لم تدفع الإنسان للحركة والعمل، فإذا القادم قادم فلا معني ولا ضرورة للقيام بجهد أو بعمل.
هذا الفهم حوّل اليوتوبيا إلى فكرة شمولية، وربما عقائدية، أسهمت بشكل كبير في احتدام الصراع السياسي والاجتماعي، وهذا الانحراف في مفهومها أبعدها عن حقيقتها، لكونها آلية أو أداة وأسلوب عمل لمساءلة الواقع ومحاكمته، ورصد مواطن الخلل فيه عبر الوقوف علي المستقبل القابع في أحشائه. إنها فعل دائم وجدل ساخن بين عقم الواقع والعالم المأمول، لكى يولد عالم جديد قابل للتحقق، إنها حلم دائم ينقلنا إلى ما وراء اليأس.
ولأن اليوتوبيا تؤثر في استمرارها وصعودها على طبيعة صراعات القوي في داخل المجتمع، فإن أخطر ما تواجهه اليوتوبيا الليبية هو الشعور بالخيبة والإحباط، عندها يتراجع الحلم وتضيق الآفاق ويصيب الرؤية للمستقبل الكثير من الضبابية.
في هذه الحالة يصاب البعض بحالة خمول وانطفاء وتراجع لتحقيق الأحلام التى رافقته، لكن يعلمنا التاريخ والتجربة الإنسانية أن اليوتوبيا قد تخبو وقد تتراجع في أوقات الانكسارات، وتتراجع أحلام الناس، ومنها في زمن التحولات الكبري حين يغيب الوعي بأن هذه التحولات بدأت وهي في حالة صيرورة مع مسيرة الزمن تتحقق بالتراكم، وتتبدل صورها حسب كل جيل.
مع ذلك، شهدت مياديننا وشوارعنا ونقاشاتنا ما يشهد بأن اليوتوبيا الليبية مازالت حية في عقول شبابنا، وتنحت تدريجيا مستقبلها، فلا تغادروها، لأنها تبقينا نسير في التاريخ، ولا نطيق العيش دونها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات