على الرغم من أن سكان أميركا في حضارتي الانكا والمايا عاشوا في عزلة عن العالم، إلا أنهم عندما واجهوا نفس الأسئلة كانت إجاباتهم مشابهة لبقية العالم القديم، فلديهم قصة خلق تشبه قصة الخلق التوراتية والقرآنية، فالله هو من خلق الإنسان، ولكن لم يخلقه من طين، وإنما من عجين الذرة التي كانت أهم محصول لديهم. الفيتناميون تفردوا برواية مختلفة، فهم يعتقدون أنهم أحفاد تنين تزوج من حورية البحر. التنين، حسب تصورهم، يعيش في الجبال، والحورية تعيش في البحر، وجغرافية فيتنام هي التقاء الجبال بالبحر. وبغض النظر عن الوجود الحقيقي للتنين وحورية البحر، فالأسطورة تتحول أحيانًا إلى حقيقة مطلقة لدى شعب معين، لأنها الجواب الوحيد لسؤاله الملح.
ثمة تشابه كبير بين خلق آدم في التوراة والقرآن، ولكن الاختلاف بين الروايتين يقودنا إلى استنتاجات مختلفة، فآدم خلق من تراب أو من طين، واسمه في معظم اللغات السامية يدل على أديم الأرض ولونها الأسمر. في القرآن أول إنسان، وأيضًا أول نبي، خلق من تراب، ثم نفخ الله فيه من روحه. خلق في الجنة، وبعد معصيته لأوامر الله، طرد إلى الأرض، بينما يدل اسم حواء في معظم اللغات السامية على واهبة الحياة، وفي العبرية يعني نفس الشيء، ولكنه يعني أيضا الحية، أي أنثى الثعبان. في القرآن يغفر الله لآدم خطيئته ويفتح معه صفحة جديدة، ولا يلوم حواء على ارتكاب المعصية، بل يلوم الشيطان: «فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين» (البقرة: 36)، فاللوم والعقاب يأتي بصيغة المثنى، بينما تحمل التوراة المسؤولية بالكامل إلى حواء: «فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل.. فأخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت رجلها أيضا فأكل» (سفر التكوين 3: 6)، «فقالت المرأة الحية أغوتني» (التكوين 3: 13).
ولكن، وفقًا للتوراة والإنجيل، فالله لم يغفر لآدم وحواء الخطيئة الأولى، حتى بعد أن طردا من الجنة، فالخطيئة في اليهودية والمسيحية جزء أصيل من تركيبة الإنسان، ولكن في القرآن فآدم أول نبي في التاريخ، حتى وإن لم يكن هناك قوم ليبعث إليهم سوى ذريته، «ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى» (طه: 122). ولهذا لا يوجد في الإسلام مخلص يأتي ليخلص البشرية من الخطيئة، بينما المخلص فكرة رئيسية في اليهودية والمسيحية. في اليهودية المخلص قائد روحي وسياسي قومي، وفي المسيحية المخلص قائد روحي لكل البشرية. المذهب الشيعي الاثنا عشري هو المذهب الوحيد في الإسلام الذي جعل المخلص عقيدة مركزية.
الفارق الكبير بين التوراة والقرآن يخص خلق حواء، فالتوراة تؤكد أن الله خلق حواء من ضلع آدم: «فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما، وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة، وأحضرها إلى آدم» (التكوين 2: 21-22). ثمة مشكلة تعترض الدارسين للعهد القديم، وهي الاختلاف بين الترجمة السبعينية والعبرية القديمة، حيث تعني كلمة تسلا ليس فقط ضلعًا، وإنما أيضًا جهة وناحية، ولكن عندما ترجمت إلى اليونانية القديمة واللاتينية تحولت إلى ضلع، وبالتالي فالمعنى الأصلي تاه بين الترجمات والتفاسير.
في القرآن يبدو النص واضحًا جدًا: «إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون» (آل عمران: 59)، وأيضًا: «هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها» (الأعراف: 189). ويعتقد اليهود أن الأسفار الخمسة الأولى من التوراة نزلت على موسى، ولكن ليس هو من كتبها، وإنما نزلت مكتوبة على ألواح. وفي نهاية سفر التثنية، وهو الكتاب الخامس الذي نزل على موسى، نجد مشاهد لوفاة موسى وجنازته ودفنه على جبل نبو قرب مادبا في الأردن، ويرجح أن الذي كتب هذه المشاهد هو يهوشع بن نون الذي قاد بني إسرائيل بعد موسى.
ورد في القرآن تفصيل مهم عن قصة موسى، حيث يقول: «وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا فأرسله معي ردءًا يصدقني» (القصص: 34). فإذا علمنا أن موسى التقطته زوجة فرعون مصر من النهر، وتربى في القصر، فلغته الأم ليست لغة قومه، وإنما لغة المصريين، عندها ندرك لماذا طلب من الله أن يرسل معه هارون، فموسى لم يكن يعاني من التأتأة، وهو كليم الله، بل كان لا يجيد لغة قومه ويحتاج إلى مترجم. وحتى يتحاشى الحاخامات التناقض بين جهل موسى للعبرية وكتابته بنفسه للأسفار الخمسة، قالوا إن الأسفار نزلت مكتوبة على ألواح، وهو ما يؤكده القرآن، ولكن لم يذكر شيء عن الألواح: هل كانت طينية أم حجرية أم خشبية؟ احتفاظ بني إسرائيل بهذه الألواح في تابوت العهد الذي كانوا يحملونه معهم أينما حلوا، يدل على أن اللغة العبرية لم تكتب بعد، بحيث يمكنهم نسخها على ورق البردي المنتشر في مصر، أي أنهم كانوا أشبه بالمصريين وهم ينظرون إلى حجر رشيد قبل أن يفك طلاسمه شامبليون الفرنسي، خاصة أن موسى عاش قبل ميلاد المسيح بـ1500 عام، وبالتالي فإن كلمة ضلع حشرت سهوًا خلال الترجمة من الألواح فيما بعد، أو حشرت عمدًا لتحقير المرأة. فهل كانت الألواح مكتوبة باللغة المصرية القديمة التي يجيدها موسى، ثم ترجمت فيما بعد إلى العبرية؟ بعد ألف سنة من وفاة موسى، وبعد السبي البابلي، ستكتب التوراة مرة أخرى باللغة العبرية، ومن أهم كتاب التوراة هو عزرا الكاتب من نسل هارون. ومجرد تلقيبه بالكاتب يدل على الاحتفاء بالكتابة لشعب ظل طوال قرون عديدة ينقل تعاليم عقيدته شفويًا، حتى ثبتها عزرا مكتوبة بشكل نهائي.
ومثلما حدث في الإسلام والمسيحية، حدث في اليهودية، فلم يكتف الأحبار بالأسفار الخمسة التي نزلت على موسى، بل أضافوا لها 21 كتابًا، بحيث يصبح مجموع الكتب المقدسة المعروفة بالتناخ 24 كتابًا، ويؤكد الأحبار أن هذه الكتب جاءت أيضًا من عند الله بدرجات مختلفة، فهي في كل الأحوال وحي ثان، وهذا بالضبط ما فعله الإمام محمد بن إدريس الشافعي مع السنة التي اعتبرها وحيًا ثانيًا. وعلى الرغم من عدم وجود قصة خلق حواء من ضلع آدم في القرآن، إلا أنها موجودة في حديث نبوي رواه أبوهريرة وثبته البخاري ومسلم في صحيحيهما، والذي يقول: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج». المصدر: صحيح البخاري، كتاب النكاح، بينما يرد في صحيح مسلم بصيغة مختلفة قليلًا: «إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها».
نقل الطبري وابن كثير عن عبدالله بن عباس قوله إن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر، فمن أين جاء ابن عباس بهذا الزعم؟ غالبًا جاء من اللاوعي الجمعي للمسلمين، فما دام من أوتي كتابه بيمينه يحاسب حسابًا يسيرًا، وفقًا للآية في سورة الانشقاق، فاليمين هو الخير والبركة والشرف، واليسار عكس ذلك. وهكذا عمق ابن عباس من تحقير المرأة كما ورد في التوراة، فهو الوحيد تقريبًا الذي لقب بحبر الأمة. وعلى الرغم من أن كلمة حبر، بكسر الحاء، تعني المداد الذي يكتب به، فكلمة حبر، بفتح الحاء، تعني العالم المتبحر في الدين، ومن نفس الكلمة جاءت كلمة أحبار اليهود حتى في القرآن: «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أولياء من دون الله» (التوبة: 31).
وهذا ما فعله المسلمون بالضبط بعد وفاة الرسول، فابن عباس يرجح أنه كان بين العاشرة والثالثة عشرة عندما توفي الرسول، ومع ذلك فقد روى عن الرسول 1660 حديثًا، ولكن البخاري لم يقبل إلا 120 حديثًا، أما مسلم فقبل في صحيحه فقط خمسين حديثًا، أي أن البخاري قبل 7.2% من أحاديث ابن عباس، وتدنت النسبة إلى أقل من النصف في صحيح مسلم، بينما روى أبوهريرة 5374 حديثًا، قبل منها البخاري 300 حديث، وقبل مسلم 400 حديث، أي في حدود 6%، وبمعايير الامتحانات في زماننا فالاثنان راسبان في الامتحان.
التوراة وأبوهريرة وابن عباس يريدون إقناعنا بأن الله لم يجد ما يكفي من طين لخلق حواء، فانتزع ضلع آدم ليخلقها بعد أن خدره: «فأوقع الرب سباتا على آدم». في الديانة المصرية القديمة لم يستسغ المصريون أن يلوث الإله يديه بطمي النيل ليخلق البشر، فكلفوا إلهًا أقل مرتبة، بجسد إنسان ورأس كبش، يدعى خنوم، ليخلق على عجلة الخزاف البشر من طمي النيل، ثم تأتي آلهة أعلى منه مرتبة لتنفخ الروح في الأجساد الخزفية، وهو ما يلائم العصر الذي نعيش فيه، حيث الجسد هو الهاردوير، والروح هي السوفتوير.
وأيضًا، التصور القرآني يلائم عصرنا: «خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها» (الزمر: 6)، أي أن نفسًا واحدة قد تكون الطين، وقد تكون البويضة الملقحة، فالبويضة الملقحة بالحيوان المنوي قد تعطي ذكرًا أو أنثى، كما جاء أيضًا في الآية الثانية من سورة الإنسان: «إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج»، ولكن الفقهاء يريدوننا تصديق ما قاله حبر الأمة في القرن السابع الميلادي، أي تثبيت تلك اللحظة حتى قيام الساعة.
تقع الديانة اليهودية في تناقض واضح ومفارقة عجيبة، فهي تحقر وتدنس المرأة من جهة، ومن جهة أخرى تشترط أن الانتساب للديانة اليهودية لا بد أن يكون عن طريق الأم، وليس الأب، مما يؤكد أن اليهودية ظهرت في مرحلة الانتقال من النظام الأمومي إلى النظام الأبوي، فبقي شيء من تعظيم الأم، رمز الخصب، ولكن الرجل أصر أن تدفع المرأة ثمن جهله بدوره في إنجاب الأطفال، فحقرها وجعلها مجرد ضلع أعوج. وهذا ما تسرب للمسلمين أيضًا، فعند ذبح الأضحية في عيد الأضحى، وبعد أن يسمي الذابح باسم الله، يسمي اسم صاحب الأضحية مقرونًا باسم أمه، وليس اسم أبيه.
أما المشعوذون الذين يسمون فقهاء في القرى الليبية، فيطلبون ممن يريد كتابة حجاب أن يذكر اسم أمه، وليس اسم أبيه، أو كما يقولون في هذه القرى: الأم هي الأصل، وهو تعبير يخفي شكا في نسب الرجل لأبيه. وهكذا استمر نظام الانتساب إلى الأم حيا حتى الآن، بطلب من الفقهاء أو من يشبههم من الفقهاء الشعبيين الذين لا يجيدون القراءة والكتابة، ولا يحفظون القرآن ولا الأحاديث النبوية، ولكنهم يشكلون امتدادًا لعصر تعظيم المرأة، فأغلبية المسلمين، بقدر ما يحتقرون المرأة، يرددون في الوقت نفسه أن الجنة تحت أقدام الأمهات.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات