Atwasat

عربة البعثة وحصانها.. أيهما يسبق الآخر؟

مصطفي الفيتوري 8 ساعات
مصطفي الفيتوري

انتهت للتو آخر جولات «الحوار المهيكل» الذي نظمته البعثة الأممية في ليبيا، والتي رسمت حدوده منذ البداية؛ بحيث تبقى التوصيات والوثائق الصادرة عنه غير ملزمة لها، فيما تسعى إلى إعادة هندسة مسارها في مسعاها منذ تأسيسها العام 2011 لحل المشكل الليبي، أو بالأحرى تسوية الصراع في ليبيا وإنقاذ كينونة البلد بأسرها بعد أن صارت على المحك. وقد قدمت المبعوثة الأممية «هانا تيتيه» إحاطتها إلى مجلس الأمن يوم 18 يونيو، حيث عددت النقائص والمعوقات، وبالكاد وجدت شيئا إيجابيا لتذكره للمجلس المشغول بقضايا أكثر إلحاحا من ليبيا.

ومعنى هيكلة الحوار لتكون مخرجاته غير ملزمة لأحد -ولا حتى للبعثة نفسها- أن كل ما قاله المتحاورون، مهما بلغت أهميته، لا يلزمها في شيء، وإن كانت قد تستأنس به فحسب في تحركاتها السياسية ومحاولاتها المستمرة لإيجاد أرضية مناسبة لتسوية مرضية تحظى بشيء من الإجماع ولو كان شكليا. ومن اللافت أن إحاطة «تيتيه» لم تأت بجديد، وإن كانت قد تضمنت وعدا بتقديم مقترحات جديدة للحل إذا ما فشلت الخارطة الحالية، وهي أقرب إلى الفشل منها إلى النجاح!

وبعيدا عن تفاصيل التقرير النهائي -وهي ما شاء الله من حيث عمقها ودقتها في بعض الجوانب وغناها في أخرى- إلا أن مجرد التفكير في قراءة النص الكامل للتقرير، والمعنون بـ «التقرير الختامي للحوار المهيكل»، يبعث على النفور التلقائي؛ فهو ليس وثيقة سياسية تشبه -مثلا- اتفاق الصخيرات عام 2015 الذي أصبح كالدستور لليبيا التي ما زالت بلا دستور بعد 15 عاما من الانقضاض على كيانها باسمه، بل هو أقرب إلى دراسة غير معززة، مبنية على الملاحظة لا البحث، تنتهي إلى نتائج تبدو دقيقة ولكنها غير قابلة للتنفيذ حتى من قبل أكثر الساسة حسنا للنوايا على ندرتهم.

ففي الختام، انتهى التقرير بتقديم قرابة 600 توصية، وعددها وحده يجعل التدقيق فيها أمرا صعبا؛ أما الأمل في تنفيذها من قبل أي سلطة -موحدة كانت أو منقسمة- فيبدو كالأمل في رؤية مذنب «هالي» مرتين في العمر، والعزيز «هالي» لا يمكن رؤيته إلا مرة واحدة كل 76 سنة! وعليه، فالتقرير مجرد «هري كلامي» تجيده الأمم المتحدة على مر تاريخها. وعلي هنا أن أشيد بتقدير واحترام لتلك المجموعة الوطنية من الرجال والنساء الذين شاركوا في إنتاج التقرير وهو أقرب إلى البحث المبني على الملاحظة ولا حاجة به لأي تنصيص أكاديمي فالواقع وحده كفيل بمصداقيته.

أي عقل سياسي واقعي مستوعب للأزمة الليبية هذا الذي يعتقد أن بلدا يعيش انقساما مؤسسيا حادا، وشللا في الحوكمة، وانكشافا اقتصاديا خطيرا، يملك الرفاهية أو القدرة على تتبع وتنفيذ أكثر من ستمائة بند تفصيلي؟ فتلك التوصيات ومن حيث العدد فقط تشبه إلى حد كبير برنامجا حكوميا متكاملا لحكومة منتخبة لمدة لا تقل عن أربع سنوات لتنفيذ بعضها وليس لإنجازها كلها. إن إغراق المشهد بهذا الكم الهائل من المقترحات ليس دليلا على عمق النقاش، بل هو آلية هروب تكتيكية تتقنها البعثة الأممية لمداراة عجزها عن صياغة حلول مركزة وقابلة للتطبيق. وهو دليل أكبر على أن البعثة قد أغرقت هي نفسها في المستنقع عكس كل التحذيرات من ذلك ولعل المتابعين يتذكرون تحذيرات أيان مارتن (Ian Martin) أول رئيس لها في العام 2011 حين دعا إلى جعل دورها محدودا وقليل التفاصيل حتى لا تصبح جزءا من المشهد المعقد الذي جاءت البعثة لتفكيكه.

وهذا أيضا ما أكده تقرير تقييم عمل البعثة الصادر في العام 2021، والذي أشار إلى أن البعثة تعاني من تشتت استراتيجي وأنها «غارقة في التفاصيل الهامشية». وهذا ليس تجنيا عليها من قبل المراقبين، بل هو المرض البنيوي ذاته الذي شخصته الأمم المتحدة في تقرير مراجعتها الاستراتيجية المستقلة للبعثة (تقرير غيهينو)؛ حيث اعترفت المنظمة الدولية علنا بأن بعثتها في ليبيا تعاني من توسيع مفرط للمهام وتفتيت للجهود. فبدلا من أن ترسم البعثة «خارطة طريق» واضحة ومختصرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، اختارت -بوعي أو من دونه- أن تصنع متاهة من الورق، لتتحول التوصيات من أداة للحل إلى عبء إضافي. وهو ما يؤكد المؤكد: أننا أمام آلية دولية تدير الأزمة ولا تستهدف حلها، وتستبدل الإنجاز الفعلي بضجيج الورش والتقارير الممتدة بلا نهاية.

إن المفارقة الصارخة في هذا «الحوار المهيكل» ومخرجاته غير الملزمة، تكمن في أنه يعكس رغبة البعثة في الحفاظ على «شعرة معاوية» مع ساسة الأمر الواقع. فالبعثة تخشى المخرجات الملزمة لأنها ستضعها في مواجهة مباشرة مع الأطراف الرافضة للتنازل، ولأنها تفتقر أصلا إلى أدوات الضغط الدولي الحقيقية لفرض أي اتفاق. لذا، يصبح الحوار غير الملزم وسيلة لملء الفراغ السياسي بـ«الضجيج الإيجابي» وإعطاء انطباع زائف بالحركة والنشاط، في وقت يدرك فيه الجميع-داخل قاعات الحوار وخارجها- أن الأزمة الليبية ليست أزمة «نقص أفكار» أو «شح في التوصيات» حتى نحتاج إلى ستمائة بند جديد، بل هي أزمة «إرادة سياسية» وصراع محاصصة يعتاش على استدامة الانسداد.

ولعل الضغوطات الداخلية والتحديات الخارجية التي تتعرض لها البعثة قد زادت من إرباكها وتشتيت تركيزها. فعلى الصعيد المحلي، طالما اتهمتها الأطراف الفاعلة بعدم الجدية، واجترار المبادرات، بل وحتى بالفشل. أما دوليا، فإن الأطراف ذات المصالح في ليبيا عادة ما تطرح مشاريعها للحل لا تنسجم كليا مع مسار البعثة؛ مما يخلق تخمة في المقترحات الدولية التي تزاحم خرائط الطريق الأممية، ليصبح المشهد الدبلوماسي مزدحما ولكن بلا طائل. ولعل الحديث الشائع عن مبادرة أميركية في هذا الصدد يعد خير مثال؛ فمع أن ما يعرف بمبادرة مسعد بولس -مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية- لم تعلن رسميا بعد، إلا أنها لقيت أخيرا ترحابا ملحوظا من قبل بعض الأطراف الفاعلة على الأرض.

وهنا نعود إلى جذر المسألة؛ معضلة «العربة والحصان» التي رافقت عمل البعثة رغم تعاقب قرابة دسته من المبعوثين على قيادتها. إن الإصرار على وضع «العربة» أمام «الحصان» لم يكن مجرد خطأ تكتيكي، بل تحول إلى عقيدة عمل راسخة. فعلى سبيل المثال، جرى تحويل «الانتخابات» من وسيلة ديمقراطية للتداول على السلطة وتحقيق الاستقرار، إلى غاية نهائية ومعزولة عن واقعها. والنتيجة؟ تحولت الوعود الانتخابية المتكررة منذ العام 2014 إلى مجرد سراب سياسي كلما اقترب عاد فابتعد. ويزداد الأمر خطورة مع بروز مخاوف محلية وأممية مستجدة بشأن تعميق الانقسام الدستوري بين سلطتين قائمتين بحكم الأمر الواقع في ليبيا، بينما ترفض البعثة الالتفات إلى الحصان الحقيقي الذي يجب أن يجر قاطرة الحل؛ والمتمثل في إنهاء الانقسام المؤسسي، وحسم المسألة الدستورية، وتفكيك شبكات المصالح -سواء كانت سياسية أو مالية موازية- التي تتغذى على الوضع القائم.

إذا وضعت العربة أمام الحصان وأجبرته على دفعها فسيفعل مرغما، دون أن يرى شيئا أمامه، حتى وإن كان جرفا على حافة هاوية سحيقة. أما إن عكست الوضع فصارت العربة خلف الحصان، وحسنت نوايا موجه الحصان، فلا شك أن الحصان سينطلق على الطريق الآمن دون حتى أن يراه بوضوح؛ فوضوح رؤية السائق تكفيه وتغنيه.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»