Atwasat

الأزمة التي تعيش على نفسها

فرج أبوخروبة 1 يوم
فرج أبوخروبة

لم تعد الأزمة الليبية تُقاس بعدد الحكومات المتعاقبة، ولا بجولات الحوار التي لا تنتهي، ولا حتى بحجم التدخلات الخارجية التي تتبدل وجوهها وتتشابه نتائجها. فكل ذلك ليس سوى مظاهر لأزمة أعمق وأشد تعقيدًا. أما الحقيقة التي تأخر الاعتراف بها، فهي أن المرحلة الانتقالية في ليبيا لم تعد مرحلة انتقالية بالمعنى السياسي، بل تحولت، على نحو تدريجي، إلى نظام حكم قائم بذاته، يمتلك قواعده، ومصالحه، وآليات استمراره.

كان يفترض أن تكون المرحلة الانتقالية جسرًا تعبر عليه الدولة من لحظة الانهيار إلى لحظة الاستقرار، غير أن ما حدث هو العكس تمامًا؛ إذ تحول الجسر إلى وجهة نهائية، وأصبح الموقت أكثر رسوخًا من الدائم، وصارت نهاية المرحلة تهدد مصالح قوى سياسية واقتصادية وإدارية تشكلت داخلها، حتى بات استمرارها أكثر ربحًا من إنهائها.

من هنا يمكن تفسير المفارقة التي حيَّرت الليبيين سنوات طويلة. فكل الأطراف تعلن تمسكها بالحل السياسي، لكنها تختلف عند أول خطوة تقود إليه. والجميع يرفع شعار إنهاء الانقسام، لكن كل طرف يتمسك بالأدوات التي يمنحه إياها هذا الانقسام. ولا يعود السبب إلى غياب الرغبة في الحل، بقدر ما يعود إلى أن بنية الأزمة نفسها خلقت مصالح لا تزدهر إلا في ظل استمرارها.

وهذا ما جعل معظم المبادرات السياسية تدور في الحلقة ذاتها. فقد انشغل الوسطاء بإعادة توزيع السلطة، بينما بقي السؤال الأكثر أهمية مؤجلًا: كيف يمكن تفكيك النظام الذي أصبح يعيش على إدامة المرحلة الانتقالية؟ لقد تغيرت الحكومات، وتبدلت التحالفات، وأُعيد تشكيل المؤسسات أكثر من مرة، لكن الآلية التي تعيد إنتاج الانقسام بقيت ثابتة، لأنها لم تكن كامنة في الأشخاص، بل في التصميم السياسي الذي نشأ خلال سنوات الأزمة.

ولعل الخطأ الأكبر الذي ارتكبته النخبة الليبية هو اختزال المشكلة في صراع بين مؤسسات أو شخصيات، بينما الأزمة، في حقيقتها، تتعلق بطبيعة الدولة نفسها. فحين تتعدد مصادر الشرعية، وتتوزع أدوات القوة، وتتنازع المؤسسات الاختصاصات، يصبح الانقسام جزءًا من النظام السياسي، لا خللًا طارئًا فيه. وعندئذٍ لا يعود السؤال: كيف ننهي الأزمة؟ بل يصبح السؤال الضمني: كيف نديرها بأقل قدر من الخسائر وأكبر قدر من المكاسب؟

إن أخطر ما تصنعه الأزمات الممتدة أنها تغيِّر معايير الحكم على الأشياء. فمع مرور الوقت، لم يعد وجود أكثر من سلطة أمرًا استثنائيًا، بل تحول إلى واقع مألوف. ولم يعد تضارب القرارات يُنظر إليه بوصفه خللًا ينبغي إصلاحه، بل باعتباره جزءًا من المشهد اليومي. وهنا تبدأ الدولة بخسارة أهم مقوماتها؛ ليس لأنها فقدت مؤسساتها، وإنما لأنها فقدت احتكارها لفكرة السلطة العامة.

وينسحب هذا التحول على الاقتصاد بالقدر نفسه. ففي الدول المستقرة تكون الثروة أداة لبناء المؤسسات، أما في الدول المنقسمة فتتحول المؤسسات إلى أدوات للصراع على الثروة. وهكذا خرجت الموارد الوطنية من وظيفتها الطبيعية، باعتبارها محركًا للتنمية، لتصبح عنصرًا في معادلة النفوذ، تُستخدم لتعزيز موازين القوة، أو لإعادة تشكيلها كلما تبدلت التحالفات. ولم يعد الاقتصاد يخدم السياسة فحسب، بل أصبحت السياسة نفسها رهينة لمعادلات اقتصادية تُدار بمنطق النفوذ أكثر مما تُدار بمنطق المصلحة الوطنية.

وسط هذا المشهد، تتكرر الدعوات إلى الانتخابات باعتبارها المخرج الحتمي من الأزمة. غير أن الانتخابات، مهما بلغت أهميتها، ليست وصفة سحرية لإنتاج الاستقرار. فهي لا تصنع الشرعية من العدم، بل تنظم تداولها داخل نظام يعترف الجميع بقواعده. أما حين تُجرى في بيئة يختلف الفاعلون فيها على الدستور، وعلى صلاحيات المؤسسات، وعلى ضمانات القبول بالنتائج، فإنها قد تنتج سلطة جديدة، لكنها لا تنتج بالضرورة دولة أكثر استقرارًا. وقد تمنح أحد الأطراف حق الحكم، لكنها لا تمنحه القدرة على ممارسته إذا ظل الطرف الآخر يمتلك أدوات التعطيل.

إن التجربة الليبية تثبت أن الدولة لا تُبنى بتراكم الاتفاقيات، بل بتراكم الثقة في المؤسسات. ولا تُستعاد السيادة بمجرد رفع الشعارات، بل عندما تصبح سلطة القانون أعلى من سلطة التوازنات العابرة. فالدساتير لا تحمي الدول إذا غابت الإرادة السياسية لاحترامها، والانتخابات لا تُنهي النزاعات إذا بقيت نتائجها موضع تفاوض بعد إعلانها، والشرعية لا تستمد قوتها من الاعتراف الخارجي بقدر ما تستمدها من قبول الداخل بقواعد اللعبة السياسية.

ولذلك فإن المدخل الحقيقي للخروج من الأزمة لا يبدأ بإنتاج سلطة جديدة، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسياسة. فالدولة ليست جائزة يتنافس عليها الخصوم، ولا مساحة لتوزيع النفوذ، بل الإطار الذي يجعل المنافسة نفسها ممكنة وآمنة. وكل محاولة لعكس هذه المعادلة ستعيد إنتاج الأزمة، مهما اختلفت أسماؤها أو تغيرت وجوه المشاركين فيها.

لقد أمضت ليبيا سنوات طويلة وهي تبحث عن حلول لأزمة ظنت أنها موقتة، بينما كانت الأزمة، في صمت، تعيد تشكيل قواعد النظام السياسي نفسه. ولم يعد الخطر الحقيقي في استمرار الانقسام وحده، بل في اعتياد وجوده، حتى يصبح الموقت قاعدة، والاستثناء أصلًا، والتأجيل سياسة دائمة.

وربما آن الأوان لتغيير السؤال الذي رافق الليبيين طوال السنوات الماضية. فالقضية لم تعد: متى تنتهي المرحلة الانتقالية؟ بل كيف تحولت المرحلة الانتقالية إلى نظام سياسي يدافع عن بقائه بكل الوسائل؟ فالإجابة عن هذا السؤال وحدها تكشف لماذا أخفقت معظم المبادرات، ولماذا بقيت البلاد تتحرك كثيرًا، من دون أن تغادر مكانها.

إن الدول لا تنهار فقط حين تعجز عن حل أزماتها، بل قد تنهار أيضًا حين تنجح الأزمات في إقناع الجميع بأنها هي الوضع الطبيعي. وعندما تتحول المرحلة الانتقالية من طريق إلى الدولة إلى بديل عنها، يصبح الخروج من الأزمة مستحيلًا، ما لم يبدأ أولًا بتحرير فكرة الدولة من أسر المرحلة الانتقالية نفسها.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»