كرة الأرض تحولت إلى كرة قدم، علق أحد سكان المريخ، رد عليه آخر منذ عقود يحاول البشر أن يجعلوا حروبهم كروية ممتعة. أمسك بحرص على أذني بالراديو ترانستور، ما حجمه بكف اليد مثلما موبايل حاليا، أستمع إلى المذيع من ينقل المباراة بين فريق الإنجليز، الذين جعلوا كرة القدم معبودة الجماهير، الفريق الآخر ألمانيا، التي خسرت بفضل لاعب إنجليزي، لم يعد أحد يذكره: «جيف هيرست»، نجح في جعل فريقه يتحصل على الكأس اليتيم، في مونديال لندن سنة 1966م، لكن اللاعب الذي لن ينسى لم يفز بالكأس هو بيليه، من شدنا أكثر لفريقه البرازيل ولكرة القدم. حينها اجتزت الخامسة الابتدائي، فأهداني خالي راديو ترانستور ما كان طرفة اللحظة، ما به سيطرت على المشهد الذي أصبح كرة قدم/ كأس العالم.
كأس العالم مترعة بالمتعة، مسكرة كل أربع سنوات للبشرية جمعاء، من كأس العالم يوقظ فيهم المشترك، ومع الفيلسوف الألماني شيلر يرددون: أن الإنسان لا يكون إنسانا إلا حين يلعب، ولا يلعب إلا حين يكون إنسانا. تعددت مهرجانات الفن واحتفالات السياسة وأعياد الدين، لكن كرة القدم واحدة وكأس العالم واحد، حيث صار الكلّ في واحد. كرة من بلاستيك أيقونة لكل المجالات: الاقتصاد والسياسة والفن والثقافة وغير ذلك، كأس العالم محفل الملوك والرؤساء والموسيقيين والراقصات والمترفين والفقراء... وغير ذلك.
صادف أن كان الجار القرب عبد القادر الخطيطي، لا عب نادي الأهلي في الستينيات وأي عقد كروي، لعل القادر جعلني دون قصد «كروي أهلاوي»، ثم جعلني الأهلي «كروي عالمي»، خاصة براديو خالي الترانستور، ما ملك به الزعيم - حينذاك - جمال عبدالناصر قلوب الناس، عندئذ دعي الزمان: عصر الترانستور.
وبالتالي فالعالم حينها سماعي، والمايسترو المعلق مثل حسن الشغيوي ثم محمد بالراس علي. ظل الراديو المنقذ من الغياب، حيث في نسخة 1982 ثم 86 تمكنا من المتابعة عبر الراديو، فلقد كنا لعقد في سجون الفاشي المحلي العقيد معمر القذافي، دخلنا في مراهنات على من الفائز، وهدية المراهن المستحق الرهان عشاء الخاسر.
منذ مونديال 70 أصبح لدينا شاشة تلفزيون، الدورة السابقة شاهدنا ملخصا ملونا لها في دور السينما، منذ مونديال 70 نقلت المباريات مباشرة، أمسينا في عصر الأقمار الاصطناعية، كان تلفزيون فيلبس أبيض وأسود والصورة مشوشة لكنها تؤدي الغرض. أخذت التلفزيون إلى الشارع، أمام بيتنا حيث نجتمع للمشاهدة، وأبي لم يعترض فهو أيضا عندئذ يتابع من الرياضة، في ساعات الفجر الأولى، بطل الملاكمة العالمية المسلم محمد علي كلاي.
لقد حول صندوق العجب حياتنا، وفي عصر الأقمار الاصطناعية باتت الكرة الأرضية كرة القدم، ولم يجرؤ أحد على مواجهة موجة كأس العالم العاتية، حتى العقيد القذافي المنظر المفكر عبقري زمانه! نظر ضد الكرة وكل الرياضة وشبه منعها محليا، لكنه كان ينقل مباريات كأس العالم المتاحة عبر محطة التلفزيون المحلية.
لم تنقطع عادتي: أن أعطل نفسي شهرا كل أربع سنوات، لأشارك كالمتفرج الوحيد في محفل الكرة، محفل الكرة الأرضية، مهما صعبت الظروف كنت الحريص على أن أؤكد انتمائي للبشرية، عبر أبسط وأمتع السبيل الفرجة. وقد تابعت المونديال حيث كنت وفي أي وقت، في المغرب أو مصر وفي طرابلس أو غريان وفي السجن أو الشارع، مع حرص على التواجد مع الجمهور وعادة في المقاهي والشعبية منها.
وكنت في أحايين أكون وحدي، مثلا نسخة قطر غاب الفريق المصري عنها، تقريبا قاطع الجمهور المصري في الأيام الأولى متابعة الكأس، علقت حينها أن هكذا جمهور لا علاقة له بالمتعة وبكرة القدم، أنا أعيش في القاهرة منذ سنوات، وفي مقهى شعبي بحي العجوزة، به أكثر من شاشة تلفزيون، حضرت وحيدا مباراة، لم يحدث التغيير الا مع فوز السعودية على الأرجنتين، وما أحدثه فريق المغرب من تقدم مذهل، عندئذ حضر الجمهور.
كأس العالم 2026 أتابعه في مقهى السد بنادي السد الرياضي ببنغازي، المقهى يغص بالحضور كما يغص بشاشات التلفزيون الناقلة للمباريات، لكن أحيانا أشعر أني المتفرج الوحيد، المتفرج اليوم غريب فهو يأتي زرافات، زرافات، شباب يملأ المكان، لكن ليدخلوا في نقاشات عن الكرة والفرق واللاعبين، وهم يعطون بظهورهم للشاشات، مثلهم مثل من يحرص اللقاء بحبيبته ليحلل لها البعد الجمالي للقبل؟
كرة الأرض تحولت إلى كرة قدم، علق أحد سكان المريخ، رد عليه آخر منذ عقود يحاول البشر أن يجعلوا حروبهم كروية ممتعة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات