يقول الكاتب الليبي سعيد المحروق في دراسته ـ خليفة التليسي واللحظة الشعرية في مختاراته من الشعر العربي ـ التي يراجع فيها علاقته بكتابات خليفة التليسي وما شابها من أحكام مسبقة ، ليست مرتبطة بالنزاهة الثقافية بقدر ارتباطها بموقف إلغائي يعيده إلى طبيعة التعامل الكروي الذي يخلص للتعصب الأعمى أكثر من شروط المعرفة. يقول المحروق: «قرأت كتاب (رفيق شاعر الوطن) قراءة كروية وأعجبت برفيق إعجاباً كروياً: أي لم أجد الجرأة على تحمل مسؤولية قراءة الكتاب رغبة في القراءة، وإنما لأنني قلبت الكتاب تقليباً سريعاً فعثرت بالصدفة على اسم «العقاد»، وحيث إنني كنت منحازاً ومتحزباً للعقاد انحيازاً وتحزباً كرويين جعلاني أقرأ كتاب التليسي من أجل العقاد، ومادام الأستاذ التليسي قد ذكر بأن العقاد معجب برفيق فلا بد أن أعجب برفيق حتى ولو لم أقرأ له بيتاً واحداً، ومادام التليسي قد «تجرأ» على انتقاد إطراء العقاد لرفيق لأسباب لا شأن لها بشعر رفيق، فلا عجب أن أتجرأ بدوري على أخذ موقف سلبي من خليفة التليسي .. أي أنني شجبت خليفة التليسي شجباً كروياً» وفي الحقيقة يطرح المحروق في هذه المراجعة الشجاعة للذات أزمة حقيقية مستشرية في واقعنا الثقافي حتى الآن، تتمثل هذه الأزمة في طبيعة الحوار بين المثقفين الليبيين وتبرز بحدة في شبكة النت التي أعطت فضاءً مثيراً لمن يريدون أن يعبروا عن هذه العقد دون أن يتورطوا في كتابة أسمائهم، ودون أن نتلمس أي بادرة شجاعة لمراجعة أخطائنا كما فعل الكاتب المحروق، ونتيجة لهذا العقل الكروي سرعان ما يتحول الحوار إلى حشد الكثير من التكتيكات وأساليب الغش من أجل الوصول إلى الهدف ومن ثم الانتصار ونيل نقاط المواجهة كاملة، مع أن الحوار الحقيقي والمعرفي لا علاقة له بفكرة المنتصر والمهزوم لكن دائماً فيه رابح واحد هو القارئ المحايد.
يقول سعيد المحروق: «مثلما يحاكم المتهم باقتراف جريمة ما، فلابد من إجراء محاكمة لنفسي تجاه الأستاذ خليفة التليسي. إنني لم أكن اعترف به كاتباً، ولا بد من الاعتراف أيضاً بأنني قد اقترفت هذا الجرم لسبب قد يعجب له كل الناس، كل الناس ما عداه هو، وهذا السبب يكمن في أن الأستاذ التليسي ليبي الأصل، وليبي الجنسية، ومادام هو كذلك فلا يستحق أن يكون كاتباً! الكاتب في سنوات تكوينه الأولى يجب أن يكون من أحد أقطار المشرق العربي».
وهل ثمة أزمة ثقافة وظاهرة جماعية من جلد الذات أكثر من هذا التوصيف الذي لا نستطيع أن نعتبره تعميماً، ومن السهولة رصد كتابة العديد من كتابنا الذين لا شاغل لهم سوى مهاجمة أي مجتهد ليبي يحاول أن يسهم بجهده في إثراء ثقافتنا، ليست مهاجمة ما يكتب ولكن بكيل الشتائم له والتطرق لأموره الشخصية أو لأصدقائه.
هؤلاء الشتامون لا يتوقفون عن الاحتفاء الدائم بأية كاتبة أو كاتب لا يحمل الجنسية الليبية، حتى وإن كان كاتباً ركيكاً من الدرجة الرابعة فستغفر له جنسيته، وهو ما يعكس حالة الهوس لدينا بتتفيه كل ما هو محلي، وفي الوقت نفسه يتحدثون عن تغييب المبدع الليبي عن المحيط العربي، وسبق أن حدثني كاتب تونسي متابع للحركة الثقافية الليبية عن كوننا نحن الذين نغيب أنفسنا ونتفه جهود كتابنا، فكيف نريد للآخر أن يهتم بنا، وهي حالة حقيقية تعود لسيطرة العقل الكروي على ثقافتنا.
يقول المحروق في مكان آخر: «كما قررت أن أعترف بذنبي تجاه الأستاذ خليفة التليسي، لذا لا بأس أن أعترف أيضاً بأن أياً من خصوم جيل العقاد لم يستطع أن يجعلني معتدلاً في تعصبي للعقاد، الرافعي مثلاً حينما وضع العقاد «على السفود» جعلني أعجب بكل من وضعهم على نفس السفود».
إن ما يهمني في طرح هذه الآراء الشجاعة لكاتب ينتقد بشدة نفسه في سياق نقده لذهنية شائعة، ويتراجع بروح تسامحية عن آرائه المتسرعة، كون من ركبوا موجة الكتابة لدينا مستغلين سهولة النشر وإمكانية التخفي وراء اسم حركي في النت، يلوثون الحياة الثقافية بانفعالاتهم دون أن تكون لهم القدرة على تجاوز هذه المراهقة الفكرية مثلما يعطينا المحروق درساً مهما من سيرته، ومن تجربته التي عبر نقدها فتح آفاقاً لكتاباته لتغدو من أهم نتاج نثرنا الأدبي والفكري بما يثيره من أسئلة هامة تحفر في صميم ثقافتنا، وهو في الواقع من خلال نقده لسيرة تكوينه الذهني يضع إصبعه على جرح ثقافتنا الغائر، الذي لن يندمل طالما تستهوينا التعميمات والحكم على الأمور قبل فهمها، والتسرع، والتعصب الكروي الأعمى، كل هذه الأمراض التي هو أيضاً كان ضحيتها، وشكلت محكمته الغيابية المنصوبة أمامه دائماً، فنحن لا نعرف المحروق إلا من خلال وثيقة اتهام مازالت تلاحقه حتى بعد رحيله، وثيقة اتهام من خارج الحقل الذي عمل فيه حتى آخر لحظة من عمره، حقل الثقافة الوطنية بأسئلتها وأزماتها وجلدها المَرَضي للذات، وهو الذي عمل طيلة علاقته بالحبر على توطين مشروع تنويري مهم أساسه التفكير خارج الصندوق والنقد القاسي للذات الفردية والجماعية، غير أن مشروعه كعديد المشاريع الليبية الهامة لم يُستأنف أو يدرس أو حتى يُجمع بما يليق بأهميته وطزاجة أسئلته التي ما زالت تفور في أتون هذا الوطن المرتبك حد الفوضى، فكان هو نفسه ضحية هذا العقل الكروي المتعصب، سواء سياسياً أو ثقافياً.
صديقه الكاتب أحمد الفيتوري وكعادته تجاه من يؤمن بهم من أصدقائه، نشر مقالة عن المحروق شاعراً مختلفاً ومخالفاً وجامعاً لخراريف الأرض الشفوية، تحت عنوان «المحروق المنسي في جوف الطين». فيصفه بـ «محارب الزوال الذي ينهب لقمته من فم الذئب حيث زمن الشفهي قد ولى وزمن التدوين محو لزمن الشفاه يجب ما قبله، لكن المحروق لم يسعفه الزمن ولم يتخذ من تدوين الخرّاف شغلاً؛ لقد ضرب في كل فج وضربه كل فج عميق» وهي المقالة التي كانت خميرة الكتاب المهم « سعيد المحروق: ذاكرة الريح العاتية» الذي أعده الفيتوري عن سعيد الذي لم يكن له في هذا الوطن نصيب من اسمه وإن كان له نصيب وافر من لقبه. يحوي الكتاب أغلب ما نشره المحروق من كتابات، منذ ستينات القرن العشرين حتى وفاته في العام 1994 عن عمر ناهز 48 عاماً.
ولأن المحروق كان من شيمه أن يرى في كل ما كتبه الأمورَ من زاوية أخرى، قدم له الفيتوري بقوله إن هذا الكتاب «يمنح القارئ زاوية أخرى، لرؤية مرحلة فكرية وسياسية، وهو ما حرص سعيد المحروق على أن يكون له رأي فيها، بنظرة متميزة لا مثيل لها، وقد اشتبك لأجل ذلك، مع المشروع الفكري والسياسي السائد في تلك اللحظة الاستثنائية، ما بين عقدَي الستينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ما جعل مما كتب مسباراً مسلطاً بقوة ضغط عالٍ على المسائل التي انبرى لها وفي مجالات مختلفة.
كذلك تبين المنشورات بالكتاب الطبيعة الشخصية للمحروق، وكيف أنه كان يحرص على نشر ما يكتب كما حرصه على الكتابة نفسها، وبأسلوب خاص يجوس في أغوار قضايا ومسائل كانت ساخنة وحارقة، كُتبت بجرأة ووضوح وحتى بمباشرة، ما يجعل من الكتاب وثيقة حية وطازجة في نفس الوقت لمرحلة، كما شابتها الانقلابات العسكرية، عصفت بها أيضاً تيارات فكرية متباينة ومتساوقة، من هذا تعاطي المحروق مع ما اعتقد أنها مسائلهُ ومسائلُ عصره».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات