ربما يكون أول من استعمل مصطلح «الاستهلاك التفاخري» هو ثورشتاين فبلن، صاحب نظرية «الطبقة المترفة»، وفيها يؤكد أن بذور هذا المجتمع الجديد ظهرت في الولايات المتحدة الأميركية. ولم يُنظر إلى الاستهلاك كقيمة اجتماعية وأخلاقية في النظرية الاقتصادية إلا متأخراً، حين ظهر للدارسين أن استهلاك الفرد لا يحكمه دائماً ذوقه وما يريد ويحتاج، بقدر ما يتأثر بما يستهلكه الآخرون.
إن أذواق المستهلكين «الجماعة» تؤثر في تحديد ذوق المستهلك الفرد، أي أن الاستهلاك أصبح قيمة اجتماعية. فلم يعد الإنسان يستهلك ما يحب فحسب، وإنما يستهلك ما يستهلكه مجتمعه.
من هنا، ومن هذه الحالة، صار للإعلان والدعاية الدور المهم في العصر الحديث، إذ يجعل الإنسان يستهلك ما لا يحتاج إليه، وحتى ما لا يحب أحياناً، فقد صار نوع السلعة و«الماركة» المشهورة التي تشتريها وتستهلكها تحدد مكانتك الاجتماعية، والطبقة التي تنتمي إليها.
وأنت، ومن أجل المكانة الاجتماعية، غالباً ما تسعى وتكدح للحصول على تلك السلعة من أجل إثبات الانتماء إلى طبقة اجتماعية متميزة وراقية.
صارت مكانة العائلة والفرد تحدد بالسلع التي يستهلكها؛ نوع الأكل، والبيت، والسيارة، حتى نوع الموسيقى التي يسمعها، والرقصة التي يرقصها، و«ماركة» الملابس التي يقتنيها ويلبسها.
المجتمع لا يستقر على حال، ولا تظل سلعة الأمس المميزة مميزة إلى الأبد، ولو ظلت كذلك لركد السوق، وقلت الأرباح، وربما انعدمت، وساد الركود. لذا، وعبر الدعاية وأساليب التسويق التي لا تتوقف عن الجريان، ظلت تجرف المستهلكين، وتجدد السلع، والأخطر أنها تخلق حاجات جديدة للمستهلك لم تكن ضرورية بالأمس.
التفاخر بالاستهلاك صار المظهر الاجتماعي الأهم في المجتمعات الحديثة؛ إنه الإعلان عن الثراء والمكانة الاجتماعية المتميزة والراقية، إنه بطاقة الانتماء إلى العالي والغالي.
ما تستهلكه يحدد مكانتك الاجتماعية، وليس آلية اجتماعية حديثة، بل هي بالتأكيد موروثة وقديمة قدم الحياة على الأرض. فحتى في عالم الحيوان لا ترقى مكانة القمام وآكل الجيف من الحيوانات إلى مكانة المفترس الكاسر. ولكنها، في العصر الحديث، أخذت أشكالاً مرضية مدمرة لإنسانية الإنسان، فلم يعد الإنسان إلا دودة لا تتوقف عن الأكل. لم يعد الاستهلاك من أجل البقاء، وللقيام بدور في الحياة، ومن أجل تحقيق القيم العليا للإنسانية كالعدل والحرية والأخوة، بل صار اندفاعاً محموماً للاستحواذ على كل شيء، وبأي وسيلة كانت.
الفن صار سلعة مغشوشة، ورهين السوق والمرابين ومسوقي الجواري والغلمان. والوصايا الأخلاقية والدينية صارت أدوات لتسويق السلع. لقد استطاعت نزعة التفاخر بالاستهلاك وأنواع السلع أن تدشن وتطور «حضارة البطن والفرج» باستخدام كل الأدوات القديمة والحديثة للهيمنة والسيطرة على الإنسان وقيادته من بطنه وفرجه.
كان هذا العصر قد وسم بأنه «عصر فاوست»، حيث باع الإنسان روحه للشيطان مقابل لذائذ البطن والفرج، وسلم رسنه للشيطان ليقوده نحو الدمار والنهايات الكارثية.
عصرنا الأوروبي الحديث الذي دشنه «نيتشه» بصرخة «موت الإله» يقفز الآن إلى ما بعد فاوست ونيتشه، إلى مرحلة «رامبو» وتدمير الذات، بعد التألق الشعري وتجارة العبيد.
«آرثر ميللر» يلخص سيرة رامبو بأنها سيرة قديس مقلوبة، تمضي عكس سيرة القديسين؛ من النور لتغرق في الظلام، وتمضي من البراءة إلى الخطيئة، ومن الطهارة إلى الدنس.
التفاخر بالاستهلاك، وهيمنة السلعة، واحتلال العقل والوجدان بها، أدى إلى هذا التفكك وإلى هذه السيولة لكل القيم؛ فلا قيم، فقط سلع عليك أن تبلعها راضياً. الديمقراطية سلعة، والحرية سلعة، والدين سلعة، وكل هذه السلع ليست معروضة للاستهلاك وأنت حر في اختيارها أو رفضها، بل أنت مجبر على شرائها.
نحن أمم العالم الثالث، إن صح التصنيف، وسط هذا السوق الهائل، وتحت وطأة وسحر هذا «الفيديو كليب» الطويل من الإعلانات ولمعان السلع، ننغمس دونما وعي في استهلاك كل الشعارات، ونفاخر باستهلاك نسخها المسرطنة القاتلة، مجتازين مرحلة «رامبو»، من الظلام إلى الظلام الأشد.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات