Atwasat

شارع الصحافة (7)

سالم الكبتي 2 ساعة
سالم الكبتي

والمصراتي سيكون أحد النواب من صف المعارضة في البرلمان ذلك العام 1960. التي خاضت معركة طريق فزان مع الحكومة. وهو قبل ذلك كاتب معروف وصحفي نشر كتاباته وتحقيقاته الأدبية والتاريخية والسياسية في أغلب الجرائد المحلية. وكان قبلها صوتا بارزا لبشير السعداوي قائد حزب المؤتمر الوطني. المصراتي في أواخر عضويته للبرلمان في العام 1964 أنشأ جريدة الشعب. صدرت في عدة أعداد ولم تدم طويلا. ناقشت بحدة قضايا مظاهرات الطلبة والدعوة لجلاء القواعد.. وغيرها مما اعتبرته السلطة من التابوهات. عطلت الشعب وتوقفت وعادت للصدور بعد سبتمبر 1969 وتوقفت أيضا.

كتاب المصراتي عن صحافة ليبيا يعد من التوثيقات المبكرة للتأريخ لها. عرض في الكتاب لحوالي أكثر من ثلاثين جريدة ليبية صدرت منذ العهد العثماني في ليبيا ثم خلال زمن الاحتلال الإيطالي إلى فترة الإدارة البريطانية وما بعد الاستقلال. وفي سياق هذا التوثيق المهم للمصراتي نسي أن يذكر جريدة الحقيقة التي صدرت في بنغازي من قبل جان او لمي الإيطالي باللغة العربية من العام 1919 الى 1923. حلت بعدها في الصدور جريدة بريد برقة بإدارة محمد طاهر المحيشي ثم بعد وفاته واصلت بتحرير شقيقه عمر فخري المحيشي. لعل الأستاذ المصراتي لم يقف على الحقيقة المذكورة أو لم يعثر عليها. وفي كل الأحوال يظل هذا الكتاب عن صحافة ليبيا حتى العام 1960 حجر الأساس في توثيقها وتأصيل تاريخها كما أشرت سابقا.

إن عام 1960 الذي شهد صدور كتاب عن تاريخ الصحافة الليبية كان في جانب آخر علامة واضحة لاستمرار التصادم مع السلطات المسؤولة. هذا التصادم في الغالب ساده التوتر أو الصراع الشخصي والحساسية البالغة بين بعض الأطراف أكثر منه في تصوري موقفا يحسب للصالح العام عدا ما قامت به جريدة المساء منذ صدورها في طرابلس عام 1959. لقد استأثرت باهتمام الناس لطرحها لمسألة طريق فزان والإشارة إليه والدفع به إلى صوت المعارضة في البرلمان التي وجدت من خلاله الفرصة السانحة لتعقب الحكومة وأخطائها ونقدها وصولا إلى حجب الثقة عنها في أكتوبر من ذلك العام. التهبت القضية في الصيف وهدأت في الخريف. صارت طريق فزان وتداعياتها وآثارها في تفاصيل صفحات التاريخ ومحاضر البرلمان وجلساته.

ومن جهة مقابلة في هذا التاريخ الذي مر لكنه يبقى على الدوام.. فإن الصدام الذي طرأ فجأة في ذلك الصيف على العلاقة المعروفة بين عبدالله عابد السنوسي وبين عمر الأشهب وشقيقه مختار الأشهب من خلال شراكتهما في إصدار جريدة الزمان وطباعتها في مطابع عبدالله عابد ببنغازي.. ذلك الصدام ظل يستدعي العجب بالفعل. كان عبدالله عابد يمثل نفوذا واضحا في الواقع الليبي يومها. وكان له محبوه وأصدقاؤه والكثير من المحسوبين عليه والمستفيدين من وضعه ووجوده الواضح. وكانت له أيضا علاقاته الواسعة في الدوائر العربية خاصة في مصر عبر اتصالاته ولقاءاته على سبيل المثال مع الرئيس جمال عبدالناصر وزميله في قيادة الثورة حسن إبراهيم الذي يشار إليه كثيرا بأنه ينتمي إلى أصول ليبية قديمة. اختاره عبدالناصر في تلك الأعوام منسقا للعلاقة الليبية - المصرية وكان دائم الحضور إلى ليبيا وربطته في هذا السياق علاقات وطيدة مع مسؤوليها إضافة إلى عبدالله عابد نفسه.

ظل الترابط قويا في هذه الفترة ولاحظه المتابعون والقريبون من المشهد السياسي والاجتماعي بين عبدالله عابد وعمر الأشهب وكذا إخوته. واتضحت الكثير من هذه الأواصر في العلاقة تحديدا منذ فترة سابقة مع الطيب الأشهب الذي اهتم بكتابة السير والروايات التاريخية منذ الأربعينيات. وفي العام 1956 أصدر الطيب كتابه (عمر المختار) على نفقة عبدالله عابد في أحد مطابع القاهرة. وسبق ذلك كتابه المشهور عن إبراهيم الشلحي وانحيازه الواضح فيما كتبه إلى طرف دون آخر. احتوى هذا الكتاب شهادة من عبدالله عابد لصالح الشلحي. وقد عمل أيضا الطيب الأشهب في إدارة المطبوعات الاتحادية ثم ملحقا صحفيا بالسفارة الليبية بالقاهرة إلى وفاته بها العام 1958. وخلال هذه المدة أنجز الطيب نشرات وكتبا مختلفة تتصل في أغلبها بالولاء والتقدير للملك إدريس بلا توقف. منها: الزفاف الملكي وليبيا اليوم وإدريس السنوسي.

ثم ما الذي جعل الصراع أو الحساسية يظهر أمام العيان في صيف 1960. ومعه تناثرت قصيدة طويلة بالعامية هجاء للأشهب وإخوته من أحد الشعراء الكبار. اعتبرت في سياق هذا التوتر أو الصراع بين الطرفين الذي وصل كما مر بنا إلى إبلاغ الشكوى والتذمر للملك نفسه ورئيس ديوانه ورفع الأمر في الوقت ذاته إلى النيابة العامة في ولاية برقة. كانت العلاقة وطيدة كما رأينا منذ بدء جريدة الزمان في الصدور اعتبارا من العام 1953 بعد أن عطلت شقيقتها جريدة التاج عام 1951. وظلت راسخة ومفهومة لكل متابع ومهتم بالشأن العام. فما الذي أوصل العلاقة المتينة بين السنوسي والأشهب الى هذا الحد الذي ظل يدعو إلى العجب. إن تأبين جريدة الزمان بلسان صاحبيها يومها عمر والمختار الأشهب لوالدة الملكة عقب وفاتها لم يكن في الحقيقة ليروق لعبدالله عابد وعلاقاته القوية جدا مع البوصيري الشلحي ناظر الخاصة الملكية ومن يلوذ به من أصدقاء وأصحاب مصالح.

من الواضح أن عبدالله عابد نظر إلى هذا التصرف وهو أمر طبيعي وإنساني بالدرجة الأولى لا يستدعي ردة الفعل الفردية التي قابل بها موضوع النشر دون أية تعليمات أو توجيهات عليا أو صغرى.. نظر إليه بأنه سيحرجه أمام صديقه البوصيري وعائلته بالكامل باعتباره صاحب المطبعة التي تتولى طباعة جريدة الأشهب. فالمتوفاة هي والدة زوجة الملك إدريس التي هي من جهة مقابلة عمة الشريف محيي الدين قاتل والد البوصيري.. ناظر خاصة الملك إبراهيم الشلحي حتى العام 1954. تصرفات فردية لم تكن ذات قاعدة أو أساس يؤدي إلى هذا الصراع ووقوع الخلاف الحاد. بين عشية وضحاها صارت العلاقة بين الأشهب والسنوسي كأنها لم تكن وانعكست بطريقة سلبية على مسار جريدة الزمان وتأثرت عبرها بالتغيرات القادمة من ناحية الصدور والإعانات التي كانت ترد بلا توقف والبحث عن مكان آخر للطبع نجحت فيه إدارة الجريدة بتكوين مطبعة خاصة لها وواصلت الصدور أسبوعيا. لكن العلاقة ظلت فاترة بين الطرفين بوضوح. كانت جريدة الزمان في جملة تداعيات اغتيال إبراهيم الشلحي تمثل صوتا للقصر أو الديوان إن صح التعبير فقد استأثرت بنشر مذكرات أو شهادة الملك نفسه في حلقة واحدة عن تلك القضية المشهورة في عددها الصادر يوم 27 يناير 1955. لم تحظ بذلك أية جريدة أخرى في بنغازي أو طرابلس. بعد نشر هذه المذكرات وفي مدة عشرة أيام كان الحكم قد صدر بإعدام الشريف محيي الدين. وقع ذلك بالفعل فجر يوم السادس من فبراير 1955 بسجن بنغازي الرئيسي.. القديم الواقع أمام مقبرة خريبيش.. عند المنارة وقبالة بحر الشابي.

جريدة الزمان تواصل. الملك والديوان لم يتخذا أي إجراء حيال برقية الشكوى. لم تستمر القضية. بعد ثلاث سنوات في العام 1963 في زمن حكومة د. محيي الدين فكيني ستخوض الجريدة غمار مسألة حساسة ومعقدة تتصل بالعلاقة مع دولتين عربيتين مجاورتين. ناقشا زعيميها وضع الحدود مع ليبيا. دخل الاشهب حينها إلى الخط الأحمر.. المسكوت عنه بأمر السلطة في أبريل 1963. والأيام تجري بلا انقطاع. الصحافة بالأمس جريدة تصدر كل صباح أو مساء وهي اليوم صارت تاريخا يمتد امام البصر في الآفاق.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»