في يوم ما، قبل ثلاثين سنة، وقفتُ على قصة الفتى حاييم فولدتير. روماني من أصل يهودي. وذلك بعد قراءة متأنية لرواية «أرض الميعاد» للكاتب وضابط المخابرات الروسي السوفييتي «يوري كوليسنيكوف». نسخة أنيقة ومجلدة، ضمن طبعة فاخرة من إصدارات دار التقدم - موسكو. ترجمة: أبوبكر يوسف. زودتني بها شركة شعاع للإنتاج الفني. شركة ليبية مقرها القاهرة. كان يتعين عليّ ضرورة الإحاطة بكافة تفاصيل الرواية؛ بداية من اللحظة تلك التي انتهى خلالها طبيب السفينة «ترانسلفانيا» من فحص أحد الركاب في وقت متأخر من ليلة حالكة السواد.
آنذاك كما تقول الرواية: «كانت السفينة المكتظة بالمهاجرين من أوروبا، قد جاوزت مضيق سكاربنتو وخرجت إلى عرض البحر الأبيض المتوسط متجهة إلى شواطئ فلسطين. ولم يكن تبقى إلا يوم أو أكثر على الوصول، عندما مالت إلى جانبها الأيسر قليلا وتحولت فجأة عن خط سيرها؛ فقد قرر القبطان أن يترك الراكب المريض قبل حلول الفجر في أقرب ميناء قبل أن ينتشر خبر اندلاع الوباء على ظهر السفينة».
لم يكن الشخص المريض سوى الشاب: حاييم فولدتير نفسه؛ وقد بلغ به المرض حدًا من الخطورة، يتعذر معه مواصلة رحلته البحرية إلى فلسطين. استلمت السلطات البريطانية بقبرص المريض، لتضعه من ثم في عهدة رئيس الطائفة اليهودية: «الحاخام بن صهيون هاجرا».
قبل ذلك ببضعة أشهر كان «حاييم فولدتير» قد وجد نفسه فجأة بين العالقين في مصيدة الدعاية الصهيونية المبشرة بخرافة أرض الميعاد (فلسطين): وجنة الله فوق الأرض؛ ليخضع في الوقت ذاته لسياط ترهيب مخطط سري تشرف عليه لجان غامضة تمارس عمليات العنف الذاتي ضد الشتات اليهودي.
وفي أتون سياسة الترهيب والترغيب اضطر الفتى للتطوع في فرق التدريب العسكري: «الأكشارا»، كخطوة أولى باتجاه الرحيل إلى الأرض الموعودة. حدث ذلك والتاريخ يقف مرتبكًا وقلقًا على عتبات حرب عالمية ثانية؛ فقد بدأ هتلر يضع العالم في عنق الزجاجة.
لكنه في الوقت نفسه كان يمهد الطريق للصهيونية ويضع حصانه السحري أمام عربة «وعد بلفور»، لتنقل مئات الآلاف من الشتات إلى فلسطين بذريعة العداء للسامية، التي كانت مجرد دعاية تكتيكية. تشرف على تنفيذها سرًا لجان مختصة من الحركة الصهيونية، استطاعت أن تخترق الرايخ بواسطة رؤوس الأموال الكبيرة. هذا ما تؤكده الرواية على لسان إحدى شخصياتها التي تقول: «لو لم يكن هذا الأدولف هتلر، موجودًا لكان علينا نحن الصهاينة أن نوجده».
وهكذا كانت النازية منسجمة تماما مع مقولة - هرتزل - «بأنه كلما ازدادت المذابح ضد الشتات اليهودي اقتربت اللحظة المناسبة لإنشاء الوطن». لتجد العنصرية الصهيونية في النازية (شقيقتها الروحية)، محرضًا معنويًا وماديًا لإيقاظ نعرة العرقية والعنصرية لدى يهود العالم.
وفي الوقت ذاته كان الصهاينة لا يكفّون عن الشكاة والبكاء، والتنديد بجرائم هتلر في الصحافة والمحافل الدولية لكسب المزيد من التعاطف، وتهيئة الرأي العام، لإعلان قيام دولتهم في فلسطين. وهذا ما انتزعوه فيما بعد من عصبة الأمم.
في قبرص، وعقب تعافي الشاب حاييم فولدتير، بأعجوبة من المرض، سيتعرف على الخادمة أوَيّا والتي اعتنت به طوال فترة توعكه، عندما كان غائبا عن الوعي. وهي فتاة يونانية صماء وبكماء، وفي نفس الوقت تتمتع بجمال باهر وروح نقية. كما سيتعرف على النشاط السري لرئيس الطائفة اليهودية، كعضو بارز في تنظيم صهيوني، من بين أنشطته تهريب السلاح إلى فلسطين، وعمليات تهجير الشتات اليهودي من شرق أوروبا إلى أرض الميعاد، علاوة على مهام استخباراتية قذرة.
حسب الاتفاق المبرم بيني وبين المنتج: «شعاع»، يتعين عليّ ككاتب سيناريو، وضع معالجة سينمائية للرواية «أرض الميعاد». كان إيماني الشخصي بجدوى المشاركة في صناعة فيلم روائي يخدم القضية الفلسطينية، هو الدافع الأكثر حماسة؛ فضلا عن تلبية شغفي الشخصي بالسينما، عبر الاحتكاك بخبرات أكثر دربة وخبرة في هكذا مجال. وكنت حتى ذلك الحين قد أنجزت في حقل كتابة السيناريو والحوار عدة تجارب من نمط الفيلم التلفزيوني، إضافة إلى مسلسل من فئة الكوميديا السوداء. نفذ بعضها بإمكانات فنية متواضعة جدًا.
بالعودة الى أرض الميعاد، وعلى الرغم من حماسة المنتج وإعجابه المعلن بالمعالجة الفنية والنسخة المبدئية للسيناريو، إلا أن كل شيء قد توقف فجأة، وبصمت غامض ومريب. حيث بدا وكيل الشركة في طرابلس أكثر خذلانا مني، ومن الفريق الاستشاري؛ لكأن ثمة قوى خفية أملت سلطتها الصارمة بأن يتوقف كل شيء دون الخوض في أية أسئلة. الجميع التزم الصمت، وانقطعت فجأة سبلُ الاتصال والتواصل.
بالطبع لم تكن الأسباب المالية هي ما حال دون إنتاج «أرض الميعاد»، بدليل أن «شعاع» عملت خلال الفترة نفسها على إنتاج جملة من الأفلام الطويلة بينها فيلم: «أرض الخوف»، بطولة: أحمد زكي، وإخراج: داود عبدالسيد. تتمحور قصته حول ضابط شرطة يُكلف بالتجسس على تجار المخدرات، بكفالة رسمية ترجمتها وثيقة سرية من وزارة الداخلية، تحميه من أية شبهات. وهكذا ينخرط الضابط مع تجار المخدرات الى حد التورط. بحيث يلتبس عليه الأمر هو نفسه؛ وقد بات مجرمًا محترفًا بغطاء قانوني.
كان يمكن لمشروع فيلم «أرض الميعاد»، المشاركة في معركة التحرير بفاعلية أكثر جدوى من الصواريخ الباليستية. وذلك لأن حاييم فولدتير، لن يلبث طويلا، حتى تتكشف له أكذوبة أرض الميعاد، حين يصطدم وهمه بشراسة الواقع وتتبخر أمامه أنهار الحليب والعسل، ويرى عن كثب ما تقترفه العصابات الصهيونية في فلسطين من جرائم النهب للبيوت والمزارع، واقتلاع السكان من ثراهم. ولأنه قد خضع هو الآخر لأعمال الترهيب قصد التفريق بينه وبين زوجته اليونانية؛ بحكم أن الصهاينة يريدونه يهوديًا خالصًا، يقرر أخيرًا الفرار من فلسطين، والعودة إلى أرض الوطن: «رومانيا».
ولكن ما تضمره الرواية بامتياز يشير في كل حركة من حركاتها السردية إلى آلية العنف، التي تمثل محورًا أساسيًا في البرنامج الصهيوني. هذا العنف الذي بدأ في مرحلته الأولى كطابع تكتيكي، عندما كان يمارس ضد الشتات اليهودي إبان الحرب العالمية الثانية، قد تحول في مراحل لاحقة إلى طابع استراتيجي، يهدف إلى إبادة وتشريد السكان الأصليين من عرب فلسطين، الذين وجدوا أنفسهم ضحية مؤامرة دولية كبرى متعددة الأطراف، لتجعل منهم: شتات العالم الجديد.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات