Atwasat

قلق عام يسود البلاد!

سالم الهنداوي 4 أيام
سالم الهنداوي
هناك عناوين تبدو صحفية في ظاهرها، ولكنّها أمنية بامتياز اعتاد أن يشهرها الناس في الشارع، وهي في الحقيقة تعبير صريح من صميم المكابدة اليومية التي يعانيها المجتمع نتيجة سيطرة الطغمة الحاكمة، فلا تباشير أمل قريبة سوى قلق عام يسود البلاد، قد يفضي إلى انتفاضة!
 
علامة هذا القلق المجتمعي العام من أوضاع البلاد، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ظهرت في عديد المجتمعات وتضاعفت درجاتها حتى انفجار الوضع بانتفاضة قد لا تصلح من الواقع وتكون وبالاً على السلطة والبلاد معاً. فالغضب فعل عاطفي عنيف لا يهدأ، يفرغ ناره في الهشيم ولا يهدأ.
 
وهذا ما حدث مع انتفاضات وثورات شعبية خرجت مراراً من سؤال العقل بلا جواب، ولجأت إلى ارتكاب الفعل الميداني تعبيراً عن رفض لم يجد السلام بديلاً، فكان الغضب آخر وسائل التعبير وأخطرها على الجميع.. وخير مثال ما جنته ثورات ما سُمّي بالربيع العربي بانهيار الأخلاق والاقتصادات والقوانين، وشيوع الفساد، وسيطرة الطغم على مقاليد الحكم بسلوك العصابات!
 
غير أن أخطر ما في هذا القلق المجتمعي أنه لا يُرى في الميادين أول الأمر، بل يُقرأ في تفاصيل الحياة اليومية، في وجوه الناس، وفي الأسواق والمصارف ومحطّات الوقود، وفي عزوف الشباب عن الحلم، وفي هجرة العقول، وفي تحول النقاش العام من سؤال بناء الدولة إلى سؤال النجاة من الواقع المتردي.. عند تلك اللحظة لا تكون الأزمة أزمة حكومة، وإنما أزمة ثقة بين المجتمع والدولة، وإذا انهارت هذه الثقة، فلن يكون أحد قادراً على إعادة الاستقرار مهما بلغت المحاولات!
 
إن التاريخ السياسي يكاد يُجمع على أن الأنظمة لا تسقط عادة بسبب الفقر والبطالة وسوء الإدارة، ولا بسبب العقوبات أو الحروب والانقلابات وتناوب الحكومات والفساد، وإنما عندما يشعر الناس يقيناً بأن المستقبل قد أُغلق في وجوههم.. فالخبز، أبو الثورات، يمكن احتماله لحين، لكن انعدام الأمل في المستقبل لا يُحتمَل وهو ما يثير غضب المجتمع على السُّلطة.
 
لقد قدّم التاريخ شواهد لا تُحصى على أن القلق الشعبي إذا طال أمده تحول إلى قوة سياسية ضاربة، لا تستطيع أجهزة الدولة احتواءها. فقبيل الثورة
الفرنسية العام 1789 لم يكن الفرنسيون جميعاً جائعين، لكنّهم كانوا يشعرون بانسداد الأفق، فقد عجز النظام عن الإصلاح وفقد العدالة بين طبقات المجتمع، فكان الانفجار الكبير نتيجة تراكم طويل من المكابدات والأوجاع أكثر منه حدثاً مفاجئاً. كذلك الأمر في الإمبراطورية الروسية قبل ثورة العام 1917، إذ سبق الانهيار سنوات من التذمُّر حين تراجعت الثقة وعجزت السُّلطة عن قراءة المزاج العام للشعب، حتى أصبح سقوط النظام أسرع مما كان يتوقع أنصاره قبل خصومه.
 
في مقابل هذه الانتفاضات الغاضبة، فإن تجارب أخرى تاريخية أثبتت أن الحكمة السياسية تستطيع تحويل القلق إلى فرصة للإصلاح قبل أن يتحول إلى فوضى، فقد شهدت إسبانيا، بعد وفاة «فرانكو» العام 1975 انتقالاً سياسياً معقداً، إلا أن النخب الثقافية أدركت أن الإصرار على المكابرة سيقود البلاد إلى صدام جديد، فاختارت الحوار والتوافق والإصلاح التدريجي، فانتقلت الدولة من حكم الفرد إلى دولة المؤسسات بأقل قدر ممكن من الخسائر. كذلك فعلت دول أخرى عندما قدمت تنازلات للإصلاح قبل أن يصبح الشارع هو صاحب القرار الوحيد.. ومن هنا فإن السُّلطة التي تظن أن الصمت الشعبي رضا، تخطئ قراءة التاريخ، فكثير من الأنظمة سقطت وهي تُحصي أعداد المشاركين في الاحتفالات الرسمية، بينما كانت تتجاهل أعداد الصامتين في البيوت.
 
فالصمت ليس دائماً علامة استقرار، بل قد يكون أعلى درجات الاحتقان، لأن المجتمع عندما يفقد ثقته بجدوى الكلام، يبدأ في البحث عن وسائل أخرى للتعبير. ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله السُّلطة الجائرة هو أن تفسر كل نقد باعتباره مؤامرة، وكل معارضة باعتبارها خيانة، وكل احتجاج باعتباره مشروع فوضى. وبهذه العقلية تُغلق أبواب الإصلاح، ولا يبقى أمام المجتمع سوى الشارع، وعندما يصبح الشارع هو المحكمة الأخيرة، فإن الجميع يخسر: السلطة، والمعارضة، والدولة، والمواطن!
 
إن «الإصلاح» ليس منحة أو مكرمة تمنحها الحكومات حين تشاء، بل ضرورة تفرضها سنن التاريخ. فكل نظام يؤجِّل الإصلاح بحجة المحافظة على الاستقرار، قد يكتشف متأخراً أنه أضاع الوقت وهو يؤجل الاستقرار نفسه.. فالدول لا يحميها الخوف وإنما تحميها العدالة، وهي في النتيجة لا تستقر بالقوة وحدها وإنما بتوازن الحقوق والواجبات، وبوجود مؤسسات راعية وضامنة للحقوق يثق بها الناس أكثر مما يخشونها.. لهذا فإن القلق الذي يسود البلاد اليوم ينبغي أن يُقرأ باعتباره إنذاراً سياسياً لا تهديداً أمنياً، ورسالة من المجتمع قبل أن يكون احتجاجاً عليه. فالإنذار إذا أُحسن الإصغاء إليه أصبح بداية إصلاح، وإذا أُهمل تحول إلى انفجار لا يعرف أحد متى يبدأ، ولا كيف ينتهي، ولا من سيدفع ثمنه الأكبر.. ولعلّ ليبيا اليوم، بهذه التخوّفات، تقدِّم مثالاً مؤلماً على ما يفعله القلق عندما يُترك بلا علاج.
 
فمنذ سنوات ما بعد فبراير 2011 لم تعد المشكلة في تبديل الحكومات أو تغيير الوجوه، بل في تآكل فكرة الدولة نفسها التي سقطت مع نظام القذافي. فقد تعاقبت السُّلطات وتكاثرت الأجسام السياسية على الغنائم وتضخمت المؤسسات للمزيد من النهب، بينما ظلّ المواطن تعيساً يبحث عن أبسط مقوّمات الحياة، من كهرباء ووقود ونقود، وفي غياب قانون يمنع الفساد ويردع الفاسدين الذين تكاثروا عبر حكومات انتقالية تعاقبت على إذلال الشعب بحرمانه الحياة الكريمة في السكن والمعاش، وبدفعه حشوداً بائسة أمام المصارف ومحطات الوقود، وكل ذلك في غياب دولة كان يُمكن أن يستظل «المواطن» بقوّتها فيثق بأنها له وليست غنيمةً تتقاسمها عصابات!
 
عندما تغيب العدالة وتنتشر الجريمة بكل مستوياتها، تتراجع قيمة الانتماء للوطن، ويبدأ الناس في الاحتماء بالقبيلة أو المدينة أو الجماعة، لأن الدولة لم تعُد قادرة على أداء وظيفتها الطبيعية بوصفها الضامن لحقوق مواطنيها.. ولذلك فإن أخطر ما يواجه ليبيا اليوم ليس حجم الفساد أمام مظاهر الفقر والبطالة وسوء الإدارة، ولا الانقسام السياسي بين شرق البلاد وغربها، ولا حتى التدخلات الخارجية، وإنما استقرار القناعة لدى المواطن بأن شيئاً لن يتغيّر، وأن الزمن السياسي للأزمة الليبية قد توقف عند دائرة مغلقة من العبث والهذيان، تعيد إنتاج نفسها كل عام!
 
إن التاريخ لا يرحم الأنظمة التي تؤجِّل «الإصلاح» حتى يصبح مستحيلاً، كما لا يرحم الشعوب التي تظن أن الغضب وحده يكفي لبناء الأوطان.. فقد أثبتت التجربة الليبية أن إسقاط «النظام» لا يعني بالضرورة القدرة على بناء البديل، وأن هدم الدولة كان أسهل كثيراً من إعادة تشييدها.. ولهذا فإن الحكمة تقتضي أن يكون الإصلاح السياسي عاجلاً قبل الانفجار الشعبي، وأن تكون الدولة أكبر من السُّلطة، والوطن أوسع من أطماع جميع الانتهازيين المتنازعين على ثرواته!


مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»