Atwasat

عن القصة القصيرة وميدان الجرة

محمد عقيلة العمامي 1 يوم
محمد عقيلة العمامي

لم انتبه، قبل كتابة هذا المقال، أنه كالقصة القصيرة، يحتاج إلى بذرة تتجذر في رأس الكاتب قبل أن تُكتب! هذا المقال أساسه كلمة، في تقديري أنه لا يعرفها سوى من سأم من تكليف الحياة، بوصوله إلى الثمانين حولا، ونيف! فماذا حدث ؟ أهداني صديقي الأستاذ رجب الشلطامي مجموعة قصصه القصيرة، التي أسماها "حكاية البداية المسروقة" والتي أعرف أنه كتب معظمها منذ أكثر من نصف قرن، وكنت قد قرأت معظمها عندما انتظم ككاتب في مجالها أيام صحيفة الحقيقية التي كانت من أهم القنوات التي ساهمت في نشر الأدب الليبي في ستينيات القرن الماضي.

البذرة التي تفتقت في رأس الاستاذ رجب اسمها (الكنترا بندو) التي لا أعتقد أن أحدا من هذا الجيل قد سمعها من قبل، أما أنا فقد لا يراني من هم أكبر منى ويقولون هذه (الخارقة) إلى والدي، الذي عرفها، ولكنه لم ينفعل، بل طلب مني أن اشترى سجائر (المركب) او (البحاري) لأنها انجليزية ونظيفة، وهي تباع ( كونترا باندو) وهي سجائر إنجليزيه مهربة من مخازن الجيش البريطاني، وهي رخيصة الثمن لأنه لا ضرائب أضيفت علي استيرادها إلى جنود ومواطني بريطانيا في ليبيا! في ذلك الوقت، وبالتالي المتاجرة بها ممنوعة ولكنها كانت متوفرة في (كونترا باندو) أمام سينما النهضة!

ما أريد قوله أن كلمات لا علاقة لها باللغة العربية، أصبحت تؤدي مهمة تعريفها بالصفة التي ألصقت بها، وترجمتها تعريفا لسلعة ممنوع تداولها تجاريا! ذكرت أيضا كلمة (قرنقة) وتعني جنودا أفارقة سود البشرة جندوا من مستعمرات بريطانيا الأفريقية وجاءوا مع الجيش البريطاني كجنود من مستعمراتهم، والغريب أن إيطاليا جندت جنودا ليبيين وأخذتهم مع جيشها إلى الحبشة، وذلك يعني، ببساطة أفارقة يحاربون بعضهم البعض، تحت إمرة دولتين أوروبيتين !

تتناول القصة بأسطر قليلة، وكلمات لا معني لها في الوقت الراهن ولكنها كانت تعني الكثير في زمن الحكاية، فكلمة (الشناوير) في القصة تعني العسكر من الليبيين الذين وظفهم الطليان، وكان زيهم به، في الكتفين، عدد من (الشناوير) قد تكون اثنتين أو ثلاثا في كل كتف مربطة دائرية تشبه زهرة تتدلي على الكتفين! وكانوا في الغالب قساة بسبب تسلط العسكر الإيطاليين وضرورة أن تكون لهم هيبة! وعلى الرغم من أن بعضهم عاش حتى زمن استقلال ليبيا عن إيطاليا لم يزدرهم الناس أو ينتقموا منهم، فلقد كانوا يعرفون أنهم مأمورون، وقليل جدا منهم من ظلم الناس.

مثل هذه القصص كثيرة، منها ما كتبه إيطاليون، أذكر منها قصة وردت في كتاب عنوانه : (بنغازي في العقد الثاني من القرن العشرين) للمؤرخ الإيطالي (الدريكو تيجاني) ترجمة د. رؤوف محمد بن عامر وراجعه المرحوم خليفة الفاخري. وسبب ترجمته قصة وردت بالكتاب خلاصتها، أن رجلا ليبيا محكوما بالإعدام، بعدما نودي على اسمه في ساحة الإعدامات – بمنطقة البركة ببنغازي: "أحمد المحجوب" برز شيخ آخر طاعن في السن واتجه متهالكا نحو الحفرة الثانية المجاورة للحفرة الأولى التي سقط فيها قبله الشيخ بو حليقة، وفجأة اتجهت الأبصار نحو شخص صاح من بين الجموع:

- "سيدى. انتظر من فضلك" كان المتكلم هو ذلك الصحفي الإيطالي الذى حضر المحاكمة قال: "إن هذا الرجل ليس هو الشخص الذى حضرت محاكمته يوم أمس لابد وأن ثمة خطأ ما؟" .استفسر الضابط من المحكوم عليه وضيق عليه الخناق فاعترف الشيخ بأنه أنتحل شخصية المحكوم عليه بالإعدام!.

- "لماذا؟" صرخ الضابط متعجبا "انتحلت شخصية رجل سوف يُعدم؟. أكنت تعرف أنه سيموت اليوم؟" فأجاب الشيخ بثبات.

- "نعم أعرف ذلك" فسأله: "ولماذا تقوم بذلك؟ " سأل الضابط مستغرباً، فأجابه: "لم يعد في عمرى الكثير، والمحجوب مازال شاباً يافعا يحتاجه وطنه وتحتاجه أسرته فإن فديته اليوم فالجنة ستكون مثواي، ويفوز هو بحياته ويفوز وطني به، وتفوز أنت بتنفيذ واجباتك فنفذ أطال الله عمرك. "قال الشيخ وهو ينظر في عيني الضابط مباشرة.

- "ما اسمك؟" سأل الصحفي الذى كان واقفا مع الضابط فأجابه: "سليمان بوشيرق".
ولقد تساءلت حين نشر هذا المقال، أليس الأجدر ان تسمى ميادين بنغازي بمثل هذه الأسماء، بدلا من ميدان الجرة وتحريفاته؟ ولم يجبني أحد !



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»