Atwasat

حس المقاومة في غناوي العلم

سالم العوكلي 11 ساعة
سالم العوكلي

ــ «خابن تقاوي العقل .. ارماهن اخطي زومة الرعد». مجهولة المؤلف
ــ «اغبطن بارقة شابيب .. سَرَنْ أذواد عقلي بلْعقل». حسن القابسي

ــ «لجداب داربك يا عين .. تميتي تخافي م الرعد». محمد البزاري
ــ «تباوعتّا ريبِتْ .. العقل فيه رفّة امظلمة». عيسى مشري

نماذج من غناوي علم عميقة وذات مغزى أبعد من ظاهرها، وتحمل رطانة سياسية أو بعداً فلسفيا، يقف خلفها شعراء يجيدون اختزال الرؤية بما رحُبتْ في أقل مفردات ممكنة، وباستخدام استعارات ومجازات مرسَلة تتعلق كلها بطبيعة المكان وعلاقاته وطبيعة الحياة التي يخبرونها أو يعيشونها.

الغناوة الأولى: تذهب إلى أن عدم التوقيت الجيد لمشروعك أو تنفيذ حلمك (قد يكون هذا المشروع خطة إصلاح مثلاً أو حتى ثورة جذرية) يشبه أن ترمي بذورك (التقاوي) في الأرض في غير موسم المطر (زومة الرعد) كي تضمن نجاحها، والنتيجة هي الخيبة حين تخطئ البذور صوت الرعد. خيبة المشروع أو الحلم. يروج أن مؤلفها هو الشاعر الشعبي إدريس الشهيبي.

الثانية: ويقال إنها أُلِّفت بعد عقد قوى المعارضة الليبية لمؤتمرها في لندن العام 2005. حيث انبثق بصيص أمل وقتها، غير أن الذهاب إليه أو المشاركة فيه كانت مستحيلة نتيجة القيود المكبِّلة والقمع الداخلي. الإبل عادة تربط بعقالات تمنعها من الحركة. وفي هذه الغناوة حين حددت الإبل (اغبطن) وميض البرق الواعد بالمطر سَرَتْ إليه في حلمها رغم القيود التي تكبلها، والشاعر أسرى في خياله إلى هذا الحلم البعيد مثل البرق رغم القيود التي تكبله.

الثالثة: حسب تفسيري الشخصي، تشير إلى ما حدث من إحباط بعد انتفاضة الليبيين الكبرى وذاك الخوف الذي تسرب إلى الناس من فكرة (الثورة) التي يعبر عنها مجازا بـ(الرعد) أو محاولة تكرارها. حين أحاط الجدب بكل شيء أصبحنا نخاف من صوت الرعد. من المفترض أن من يحيط به الجدب يفرح بصوت الرعد، لكن الخيبة أحالت هذا الفرح المفترض إلى خوف في مفارقة غريبة لا تدين لشيء إلا للخيبة التي يذكر بها هذا الرعد.

الرابعة: ذات بعد فلسفي يتعلق بتلك المساحات المعتمة في عقولنا والمكتظة بأسئلة لم يُجب عنها، لدرجة أنها تصبح مساحة مخيفة في دواخلنا، وحيثما تقمع حرية التعبير تتوسع مساحة العتمة داخل العقول. وهنا إذ تلصص (تباوع) الشاعر على هذا الركن من العقل رأى فيه زاوية معتمة فأحس بالريبة. الرفّة هي ركن في البيت.

ارتبطت عادة غناوة العلم بالشجن الشخصي وغاص معظمها في علاقات الحب (اليائسة منها خصوصاً) لكن مؤلفيها لم يتوقفوا عن الخوض في المجال العام (السياسي أو الاجتماعي أو حتى الاقتصادي) ويبرز هذا واضحا في غناوي (قذاذير) موسم الجلامة (جز الصوف)، حيث تتحول إلى مناسبة للتداول الرمزي مع حدث سياسي أو اجتماعي يسيطر على الرأي العام، وباستخدام رموز وأدوات المناسبة يعبرون عن آرائهم بقوة فيما يعتري المجتمع من اضطهاد أو آلام.

وعادة ما يدفعون الثمن مثلما حصل للمغني الشاعر (محمود العرفي) والذي يورد القاص والباحث في التراث، أحمد يوسف عقيلة، حكايته في كتابه «القذاذير المقاوِِمة». يقول أحمد: «للتدليل على أهمية الغنّاوة ـ هذا النص المختزل الذي يرعب السُلطة ـ فقد دفع محمود بوشعيب الشهير بلقب (البولندي) حياته ثمناً لسبع كلمات فقط: «سَمْسارة هَوِيْد الليل ... كَدَّوا الضان وازَوا ثَنُوها».

كَدَّوا.. وازَوا: جاء بالْمُسَبَّب (النتيجة) قبل السَّبَب.. فالْمُسَبَّب هو: الكدَى.. والسبب هو الموازاة.. يتحدث هنا عن الاعتقالات التي تجري آخر الليل.. ونعت السُلطة بالسمسرة.. السمسار الشرعي ينبغي أن يأتي في وضح النهار.. أمّا من يأتي تحت جنح الظلام فهو مشبوه.. والثنو: جمع ثني.. وهو الكبش الفتيّ.. بعد تجاوز الحوْل.. وتُجمع ثني على ثنيان أيضاً.. غير أن (ثنو) من جموع الكثرة في اللهجة الليبية.. فهو يريد أن يدلل على كثرة المعتقلين من الشبان.. نَص مختزَل في مقابل ترهّل السُلطة».

في الثمانينيات وحين وصل الحال بالليبيين إلى الحضيض، تسرب من أحد احتفالات الجلامة قذاذير عبّر بعضها مباشرة عن الانقلاب العسكري وتداعياته التي وصلت بالبلد إلى تلك الحال:
تعاون اطناشر ذيب.. علي غلم في غوط سايبة.

رقم 12 هو عدد أعضاء مجلس قيادة الانقلاب، الذين انقضوا على الشعب الذي شُبِّه بقطيع ضأن سائب* في مساحة شاسعة دون راع أو حارس، بعد أن ترك الملك البلاد وسافر إلى الخارج تاركاً إياها في مهب الرياح والذئاب. ما يجعل آخر يرد عليه: تصايح معيز وضان.. تريد راعيها لوّلي.

وتعكس هذه (القذّارة) حنين الناس إلى الملك وزمنه، وهو الأمر الذي أثبتته الأحداث حين عَبّر عنه مشهدياً كل أكسسوار ثورة فبراير بعودة صور الملك وعلم الاستقلال في كل مكان، وتعبير معيز وضان يشير إلى كل مكونات هذا الشعب. ويعلق مغنٍ آخر: عشم الضان في لذياب.. تكالن وجا بيناتهن . حيث بدأ الاثنا عشر عضواً في مجلس الانقلاب صراعاً داخلياً فيما بينهم ترتب عنه تصفية بعضهم بعضاً، ولم يبق منهم سوى 5 أعضاء، ما رده المؤلف لـ(عشم) الشعب فيهم، وحين يستبد الطغيان أمام العجز فلا أمل للناس سوى في الدعاء والعشم والقدر.

تفاعل هذا الفن مع متغيرات ليبيا في كل وقت بحس ناقد أو ساخر أو محذر. فبعد ثورة فبراير وسقوط النظام بدأت إرهاصات الصراع الدموي على الغنيمة، فقال مغنٍ: قدامك ربيع كبير .. لوكان غير يا ضان تركحي.

بمعنى أن كل الخير في المستقبل لو أن الناس يهدؤون، وحمى هذا الصراع على الغنيمة تتوقف. فيرد عليه آخر: ما صادت الضان تريض ... عواويل فيها يلغبوا. بمعنى أن هذا المجتمع لم يكن بإمكانه أن يهدأ لأن العواويل (الغلمان المراهقين أو ما سمي الثوار) هم من يقودون المرحلة مع غياب الخبرات والحكمة. وعادة حين يسوق الأطفال أو الغلمان الضأن، دون خبرة، يثيرون فيها الفوضى والفزع والاضطراب، ولا تجد وقتا لتركح (تهدأ) أو تريض (ترتع بهدوء).

تفاعل هذا الشعر مع أزمة كورونا أيضاً في آخر موسم زامن هذه الجائحة وذهب بها إلى عرض تداعياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنفسية، وكثير من الغناوي التي ذهبت في كل اتجاه، وأذكر منها: م العصرــ من أمراض العصر ــ تميتي تحوشي يا غلم . حيث فرض فترة منع التجول جعل الناس يأوون إلى بيوتهم من العصر. والسبب في هذا أمراض العصر مثل كوفيد 19 الذي غير عادات العالم كله.

حين أسمع أو أقرأ قصائد أو غناوي علم من هذا الفن الإنساني، أدرك أن شعراءه لا يختلفون في قوة المعنى والسبك عن شعراء العرب ما قبل الإسلام وبعده (العباسي والأموي) حيث كان أولئك الشعراء يؤلفون قصائدهم بلغتهم الدارجة أو العامية آنذاك، بل أذهب إلى القول إنهم لا يختلفون عن شعراء كبار معاصرين في الفصحى، والفارق أن هؤلاء يعملون ضمن مؤسسات ثقافية فاعلة تتمتع بالدعم والتوثيق والتدوين والنقد والبحث الأكاديمي، بينما شعراؤنا المسمون (شعراء شعبيون) يؤلفون قصائدهم في الخلاء والهواء الطلق مستمتعين ومحيطهم بهذا الجمال.

وهذه المقارنة ما تجعل أديباً وباحثاً مثل أحمد يوسف عقيلة، يتحول إلى مؤسسة ثقافية توثيقية، يتنقل بآلة تسجيله بين هذه الاحتفالات، موثقاً وشارحاً لهذا الفن «المقاوم»، حيث القذاذير مرتبطة بالموسم وعادة ما يتوقف تداولها بين الناس، بعكس غناوي العلم المعبرة عن مشاعر الحب والفقد والتي تظل متداولة باستمرار. بينما يلعب الآن الفضاء الرقمي دوراً كبيراً في نشر هذا الفن عبر صفحات ومنصات اجتماعية، وعبر المدونات وغيرها من المواقع المختصة. يقول كونفوشيوس: لا يهمني من يكتب قوانين الصين طالما نحن من نكتب أغانيها.

* عادة ما تكون مفردات الضان أو الغلم (الغنم) دالة على المجتمع أو الناس عموماً أو الشعب بالمفهوم السياسي، وصادفت بعض التعليقات التي تنتقد تشبيه الشعب بالضأن أو قطعان الماشية، لكن من يعرف علاقة هؤلاء الرعاة أو (الموّالين) بالضأن والإبل لن يرى في هذا الترميز إهانة لأنهم يحبونها كما يحبون أولادهم، ويؤنسنونها في شعرهم وأغانيهم وليس العكس.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»