Atwasat

الحفر في الذاكرة الليبية: أضواء وظلال على «المنفى الذهبي» لمصطفى يونس (3-7)

محمود أحمد أبوصوة 3 أيام
محمود أحمد أبوصوة

جرت العادة في تقاليد مراجعة الكتب أن تُستهل العملية بعرض ملخص مكثف للعمل أولا، تمهيدا لتقييمه نقديا في مرحلة لاحقة؛ فالمستهدف بالدرجة الأولى في الفحص المعرفي ليس «شخص المؤلف»، وإنما «فرضية العمل» التي تشكل ناظمه الأساسي. ومن هذا المنطلق، وحتى يتبين القارئُ المرتكزات الفكرية التي اتكأ عليها الباحث، يتوجب على المراجع التنويه ببنية العمل (العنوان، الفصول، والمباحث)؛ ولأن العرض بطبيعته يقوم على الاختزال، فقد يجد القارئ، غير المتخصص تحديدا، صعوبة في استيعاب فرضية العمل التي يُفترض أن تتشكل من «سؤال وإجابة».

والسؤال المطروح هنا: ما هو التساؤل الجوهري البنيوي الذي انطلق منه مصطفى يونس، وتجاوزت الإجابة عنه الثلاثمئة صفحة (320 صفحة)؟ ولكي نتعرف على هذا السؤال الرئيسي والإجابة المقترحة له، يجب استهلال هذه المراجعة بعرض المحتويات حتى يتسنى للقارئ متابعة أطروحة الباحث من جهة، ومسار محاجة المراجع ونقده من جهة أخرى.

يتكون كتاب «المنفى الذهبي: بالبو في ليبيا... أضواء وظلال» من سبعة فصول متكاملة؛ تناول المؤلف في الفصل الأول، وهو قصير جدا مقارنة ببقية الفصول وجاء بعنوان تسمية بالبو حاكماً للأراضي الليبية (ص. 19 - 35)، أسباب وسياقات تعيين بالبو حاكماً لليبيا التي وصلها في 15 يناير 1934 (ص. 23). وعلى خلاف الفصل الأول، تضمن الفصل الثاني مشاريع البناء والتعمير في المراكز الحضرية وخارجها (ص. 37 -77)، مجموعة من المباحث الفرعية هي: 1- التطور المعماري والمدني: مدينة طرابلس (ص 39-55)، 2- الطريق الساحلي- فيا بالبيا (ص 55-64)، 3- المراكز الريفية للسكان الأصليين المغتصبة أراضيهم (ص. 64-77). وجاء الفصل الثالث تحت عنوان تحديات قطاع السياحة، وقسمه الباحث إلى أربعة مباحث؛ تناول في أولها: خدمات النقل ووسائل الاتصالات، وفي الثاني: العروض الثقافية - الفنية والفعاليات الرياضية، وفي الثالث: المنشآت الفندقية والسياحية، بينما خصص المبحث الرابع والأخير للحديث عن السياحة في العصور القديمة. أما الفصل الرابع فاستعرض النظام الصحي بالمستعمرة متضمنا مبحثين: 1- استراتيجية تحسين المرافق الصحية، 2- الخدمات الصحية والوقائية. وضمّ الفصل الخامس قطاع التعليم وكيفية إدارته أربعة مباحث هي: 1- التعليم الابتدائي: المدارس الحكومية للسكان المحليين، 2- التعليم المهني، 3- تشجيع تعليم الفتيات، 4- التعليم الديني: المدرسة العليا للثقافة الإسلامية. واعتنى الفصل السادس بالبعد الديني الإسلامي والحكومة الاستعمارية عبر ثلاثة مباحث: 1- الشعائر الإسلامية ودور العبادة؛ 2- الإصلاحات التي روج لها لصالح المؤسسات الإسلامية المدنية؛ 3- المواقف المؤيدة للإسلام والدعاية السياسية. وأخيراً، جاء الفصل السابع والأخير بعنوان الاستيعاب والتجنيس وتضمن ثلاثة مباحث: 1- إصلاح البنية الاجتماعية القديمة، 2- الشبيبة العربية: الليتوريو، 3- المواطنة الخاصة.

عند تأمل هذه العناوين، نلاحظ أن الباحث قد اختار هيكلية تراكمية تبرز، بشكل لا لبس فيه، رهانا على «التحديث» عبر مشاريع البناء والتعمير، كالطريق الساحلي والمنشآت الفندقية، لمواجهة تحديات القطاع السياحي. وهذا الرهان، بالمناسبة، ليس من مبتكرات الباحث «مصطفى يونس»؛ فكثيرة هي الأعمال العربية التي راهنت على التحديث منذ حملة نابليون على مصر. ومن جانب آخر، وانطلاقا من أن النقد ليس عملية هدم، فإن هذه المراجعة لن ترتكز على ثنائية (الخير مقابل الشر) التبسيطية. فصحيح أن الاحتلال الإيطالي لليبيا تميز بـ«الشر»، كما يصفه علي عبداللطيف احميده، لكن الشر الحقيقي، في تقديري، لا يكمن في فعل الإبادة الجسدية فحسب، بل في شدة تأثير سياسات الفاشيست على «ذهنية الليبيين السياسية» منذ عشية الاستقلال؛ وهو تأثير يمكن رصده في كثير من مواقف «النخب السياسية» وغير السياسية من ناحية، وفي الأعمال المحلية التي اختزلت، من ناحية أخرى، تاريخ المرحلة في ثنائية (احتلال مقابل مقاومة). وهذه الثنائية، على مشروعيتها، أفسدت، فيما أزعم، فهمنا لتاريخ «الوافد» وتاريخ «المحلي» على حد سواء؛ فالتاريخ الليبي في تقديري هو نتاج تفاعل معقد بينهما، تماما كما هو حال أغلب تواريخ العالم؛ وهنا تبرز الحاجة الملحة للمقارنة.

فالإيطاليون زمن الاحتلال لم يكونوا «رسل حضارة»، وهذا يقين؛ لكنهم تركوا خلفهم غنائم عمرانية، كالأنماط المعمارية والتخطيط المدني، لم تُستغل استغلالا نقديا منذ الاستقلال. والسؤال الجوهري هنا: لماذا تعمد ساسة البلاد تجاهل هذه الغنائم التي كان يمكن البناء عليها، وامتثلوا في المقابل لعقيدة سياسية تدين بالكثير لتحديث مبتور؟ تحديث لم يُختزل في بناء البيوت (العشوائئيات) ومد الجسور فحسب، بل عمل بوعي على عزل «التحديث» عن «الحداثة»؛ فالتحديث الذي كانت إيطاليا تعيه جيدا يختلف جذريا عن «الحداثة»؛ فبينما يمثل الأول عملية استجلاب للتقنية دون إحداث تغيير في البنية العقلية للإنسان، تعني الثانية موقفا عقليا تجاه المعرفة ومناهجها.

والسؤال هنا: هل يمكن إدراج عمل مصطفى يونس ضمن أعمال التحديث؟ في الحقيقة، لا يذكر الباحث هذه المسألة بشكل مباشر، ويفضل بدلاً منها استعمال مفهوم «الإصلاح»؛ وهو إصلاح يرتكز في مجال التعليم، مثلاً، على ثنائية (قمعي مقابل غير قمعي). ففي الفصل الخامس، وفي سياق حديثه عن التعليم في زمن الفاشيست، يميّز الباحث مرحلة الجنرال غراتسياني (1930-1934) عن مرحلة بالبو (1934-1940)؛ ففي حين يعتبر الأولى قمعية، يرى في الثانية مرحلة «غير قمعية»، إذ تشكل في تقديره: «لحظة حاسمة في إعادة تنظيم المدارس الاستعمارية»، فوصول بالبو إلى السلطة في ليبيا عام 1934 كان، حسب قوله، «عاملا رئيسيا لبداية حقبة جديدة في قطاع التعليم بهذه المستعمرة؛ فالمستوى الثقافي للعرب الليبيين، عشية الحقبة البالبية، كان متأخرا وكان يعتبر من أدنى المستويات بين جميع سكان شمال أفريقيا«. (ص. 149-150).

مؤكد أن التعليم في ليبيا، في مرحلة ما قبل الاحتلال، لم يكن حديثا؛ والأمر نفسه ينسحب على الجارتين مصر وتونس. لكن الحديث عن «التخلف الثقافي» مسألة في غاية التعقيد، ولا يمكن، من ثمّ، اختزالها في النظام التعليمي وحده، على أهميته. هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى، فإن عملية التفكيك يصعب أن تحتكم لرأي المحتل دون تمحيص؛ فما يذكره مصطفى يونس بخصوص «المستوى الثقافي المتأخر للعرب الليبيين» ينقله، في واقع الأمر، عن بالبو نفسه! ولستُ هنا بصدد الدفاع عن نوعية التعليم في ليبيا مرحلة ما قبل الاحتلال؛ ذلك أن التعليم، حتى يومنا هذا، ما يزال يرزح تحت تأثير تيار التحديث الشكلي الذي استُهل في زمن التنظيمات العثمانية، واعتمدته السلطات المتعاقبة (الإدارة العسكرية الإيطالية، الإدارة العسكرية البريطانية، ثم «دولتا» الاستقلال الأولى والثانية). إن توظيف مصطفى يونس غير الواعي، ربما، لمفهوم التحديث جعله غير قادر على التمييز بين (الثقافة/المثقف) و(التعليم/المتعلم)؛ ليخلص تباعا إلى أن إصلاحات بالبو أدت «إلى تحسن كمي ونوعي كبير في المدارس المخصصة للعرب الليبيين» (ص. 150).

لن أناقش هنا مسألة الكم؛ لأن تأثير الثقافة الإيطالية ظل محدودا بحكم المدة الزمنية القصيرة للاحتلال (1911-1943)، فضلا عن اقتصار مفاعيله على بعض أعيان المدن الساحلية، وهو ما يعترف به مصطفى يونس نفسه (ص. 152)؛ إذ لم يكن اعتماد المحتل لتعليم حديث ممكنا إلا «في المراكز الحضرية الكبيرة؛ أي حيث ينحدر التلاميذ في الواقع من العائلات الموسرة». يضاف إلى ذلك أن تأثير الثقافة الإيطالية على الليبيين افتقد للاستمرارية؛ إذ سرعان ما تلقى ضربة موجعة على يد الإدارة العسكرية البريطانية (1943-1951)، التي لم تكتفِ بإلغاء اللغة الإيطالية من المقررات الدراسية فحسب، بل اعتمدت اللغتين الإنجليزية والفرنسية لغتين أجنبيتين وحيدتين في المناهج، على غرار ما جرى تطبيقه في مصر والأردن.

وامتثال مصطفى يونس «المبطن» لنظرية التحديث الاستعمارية جعله يرى في الإصلاح التعليمي الذي أقره بالبو إصلاحا «نوعيا»، يستدل عليه بإنشاء «عدد من المدارس الحديثة لم يسبق تسجيلها مطلقاً في السنوات السابقة» (ص. 150). والجدير بالتنويه أن هذه المعلومة الأخيرة ينقلها الباحث عن الباحثة الإيطالية (دي بسكوالي) والتي تذكر، للمفارقة، في دراسة أخرى لها، أن الاحتلال الإيطالي ركز منذ البداية على التعليم المهني-العملي البسيط؛ بهدف حصري وهو: منع انتشار «الأسلحة الفكرية» بين الليبيين والتي قد تُشهر لاحقا ضد المستعمر وحلفائه.

والأمر اللافت أن «مصطفى يونس»، غير المدرك تماما لارتهانه ببنيوية نظرية التحديث، يقرر، بحكم اعتماده شبه الكلي على المراجع والوثائق الإيطالية، بأن كتابه يمثل «بحثا مبتكرا يتبنى المنظور الليبي في قراءة أحداث هذه الفترة الفاشية» (ص. 17). وإذا كان اعتماده على المصادر الإيطالية أمراً يمكن تفهمه وتبريره نظرا لطبيعة الحقبة الاستعمارية المدروسة، فإن ما يصعب فهمه وقبوله منهجيا هو: على أي أساس اعتبر عمله «منظورا ليبيا مبتكرا» بينما غاب عن ناظم الكتاب أي تحليل نقدي يهدف لمساءلة السردية الإيطالية (بشقيها الليبرالي والفاشي) من ناحية، والسردية المحلية التقليدية التي اقترن ظهورها بتأسيس «مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية» من ناحية أخرى؟ ورهانه، فيما أزعم، على «منظور ليبي» كان من المفترض أن يحفزه ويحفز غيره على المساهمة على الأقل في تحويل الألم الليبي، «البنية أو الهيكلية البدائية للمجتمع»، إلى «معرفة تاريخية» وظيفتها مخاطبة العقل. غير أن هذا لم يحدث.

وأجادل أن السبب يعود لافتقار الباحث للدربة العلمية الرصينة ما جعله يصف البرامج التعليمية في عهد بالبو «بالأصيلة»، زاعما في ذات الوقت بأنها أسهمت في «تطور نظام المدارس الابتدائية للمسلمين الليبيين تدريجيا وانتشاره في جميع أنحاء الأراضي» (ص. 156). وهذا الامتثال، غير الواعي، لنظرية التحديث أوقع الباحث في شرك المقاربة الانتقائية؛ فهو ينقل،على سبيل المثال، عن الصحفي البريطاني جورج ستير (G. L. Steer) الذي زار ليبيا عام 1939، إعجابه الشديد بمدينة طرابلس، «بشكل خاص لا سيما فيما يتعلق بالعمل المباشر الذي أظهره مشروع بالبو التحديثي بالمدينة». غير أن «ستير» نفسه لم يُخدع ببريق هذا التحديث الشكلي (المباني والطرق)، بل شدد في موضع آخر من كتابه على أن هذه البنية التحتية لم تكن سوى واجهة دعائية إمبريالية وأداة عسكرية مصممة لتهديد المصالح البريطانية والفرنسية في المنطقة، بالتوازي مع تهميش السكان المحليين تهميشا تاما. وينبه «ستير» إلى أن جوهر العنصرية الفاشية في عهد بالبو تجلى في الحرمان الممنهج لليبيين من التعليم؛ إذ لاحظ أثناء زيارته كيف كبحت السياسة الإيطالية «نمو الطبقة العربية المتعلمة»، مشيرا إلى ضآلة الفرص التعليمية المتاحة لليبيين حيث لم يتجاوز عدد الطلاب العرب 120 طالبا في المدرسة الثانوية العليا الوحيدة في طرابلس».

وهنا أزعم أن التوفيق قد خذل الباحث «مصطفى يونس»؛ ليس فقط في تعاطيه مع المعطيات، بل وفي فهم خلفيات مصادره. فـ«ستير»، أو غيره من المراقبين الأجانب، لم يكن همهم تدوين التاريخ الليبي بإنصاف، بل كان دافعهم إبراز عيوب الخصم الإيطالي في إطار الصراع الدولي عشية الحرب العالمية الثانية. وكان الأحرى بمصطفى يونس، التزاما بوعده المنهجي، أن يبرز «الجانب المحلي» الغائب، بدلا من الارتهان لسجال وثائقي غربي يتبادل فيه المستعمرون الأدوار، معيدا تأكيد المفارقة الصارخة بين ادعائه بأن عمله «يبتكر منظورا ليبيا» (ص. 17) وبين واقع نصي يغرق في تبرير الأبوية الاستعمارية، أبوية حرص اللاحق (الأنظمة المحلية) على تأميمها.

مؤكد أن التعليم في بلدان دار الإسلام كان في حاجة ماسّة لإصلاحٍ بنيوي، إصلاح هدفه تقويم الانحرافات وتفكيك العوائق لضمان استقامة الحاضر والمستقبل؛ وهذا عينه ما حاول علماء الدين في مصر مثلا القيام به قبيل حملة نابليون. فوفقا لبعض الدراسات الحديثة، شكلت فئة رجال الدين (العلماء) في مصر، أواخر القرن الثامن عشر، قوة اجتماعية فاعلة مارست دور الوسيط بين الحكام والمحكومين. وفي هذه المرحلة، لوحظ صعود مطّرد لفئة العلماء في أواخر حكم المماليك، وهو صعود استمر حتى اعتلاء محمد علي سدة الحكم عام 1805. غير أن هذه المكانة المرموقة، والمستمدة أصلا من بنية المجتمع التقليدي، سرعان ما بدأت في التراجع عندما شرعت بعض بلدان دار الإسلام، مصر في هذا السياق، في السعي نحو تغريب نفسها عبر استجلاب سمات غربية وعلمانية شكليّة، كما حدث في عهد محمد علي 1805- 1848.

- Di. Pasquale Francesca«« La Scuola Di Arti E Mestieri Di Tripoli in Epoca coloniale ; in : Africa : Rivista trimestrale di Studi e documentazione dell'Istituto italiano per l'Africa e Oriente, Anno 62, No.3(Settembre 2007),401- 402 .
2 - Date in the desert, London, Holder and Stoughton, 1939,131.
3 - Di. Pasquale Francesca«« La Scuola Di Arti E Mestieri Di Tripoli in Epoca coloniale ; in : Africa : Rivista trimestrale di Studi e documentazione dell'Istituto italiano per l'Africa e Oriente, Anno 62, No.3(Settembre 2007),401- 402 .
4 - Afaf Lutfi al Sayyid Marsot« The political and economic functions of the Ulama in the eighteenth century«, in: Journal of the economic and social history of the Orient, Vol. XVI, parts II-III, Dec. 1973, 130.
- The ideology of colonialism: educational policy and praxis in Eritrea«, in: Italian colonialism, edited by Ruth Ben-Ghiat and Mia Fuller, New York, Palgrave Macmillan, 2005 ,113.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»