في ليبيا، لم تعد السياسة تُدار من فوق الطاولات، بل من تحتها. أما الطاولة نفسها، فقد أصبحت أشهر من أصحابها. منذ أسبوعين وهي «ساخنة»، حتى ظن الناس أنها ستلد دولة، ثلاثة مسارات خرجت على الليبيين لحل المسار السياسي، وهى تتنافس مثل تنافس الغربان على قطعة لحم، فإذا بها تلد شائعات، وتُسقط بيانات، وتوزع ابتسامات مجانية على الشاشات.
الجميع يتحدث عن مبادرة أمريكية. الجميع يبارك. الجميع يشرح تفاصيلها.. إلا المبادرة نفسها، فهي ما زالت تتصرف كالكائنات الأسطورية؛ يسمع بها الجميع، ولا يراها أحد.
أما المواطن الليبي، فقد أصبح آخر من يحق له معرفة ما يجري باسمه. يصفق لشيء لا يعرفه، ويعارض شيئًا لم يقرأه، وينتظر مستقبلًا يكتبه آخرون بقلم لا يحمل الحبر الليبي. أصبح لا يبالي، وينتظر أمام المصارف والعيادات ومحال بيع الخبز، لأنه تعود على مثل هذه، حيث من في السلطة يوزعون الأوهام، ويكذبون على الأجنبي، ويتحدون الليبيين.
ذهب رجل حكومة الوحدة الوطنية إلى واشنطن. قيل إنها رحلة تاريخية، ثم عادت التاريخية إلى حجم حقيبة سفر. اكتشف الرعاة أن الحصان الذي كانوا يختبرونه لا يصلح للسباق الطويل؛ ملفه أثقل من خطواته، وتحفظاته أكثر من خياراته، والسياسة لا تحب من يضع «لكن» في نهاية كل جملة. رجع وعلى رأسه خيبة أمل وخوف، ولم يعرف كيف يتصرف!؟
عاد سريعًا.. ليس لأن الطريق كان قصيرًا، بل لأن الرسالة كانت أقصر. عاد إلى العائلة، حيث الحضن السياسي أدفأ من أي تصريح رسمي. جلس بين الأقارب في دولة يبغضها الليبيون، وهى أحد أسباب الخلافات في ليبيا. جلس مع العائلة، ومع عائلة هذا البلد القزمي، وكل واحد منهم يحمل خنجرًا في جيب، وابتسامة على الوجه، ويتحدث عن «المصلحة الوطنية»، وكأنه يتحدث عن مزرعته الخاصة.
في ليبيا، لم تعد العائلات تلتقي في الأعياد فقط، بل تلتقي أيضًا عند تقسيم النفوذ. يختلفون على المقاعد، ويتفقون على أن يبقى الشعب واقفًا.
الأوهام تُباع بالجملة.. الأحلام تُصادر بالمفرق، والخطابات الرسمية تشبه نشرات الطقس؛ تتغير كل ساعة، لكنها لا تُمطر إلا على السياسيين. وقاحة النواب صرح بها أحدهم بأنه إذا خرج من المجلس «فمن سيعطيه راتبا وهل يذهب ويفتح دكانا؟!».. هذه هي عقلية الغنيمة والكذب على الليبيين، وليته لم يتكلم.
يقال إن المدن ستكون هي من تقرر المرحلة القادمة.. جميل. لكن من سأل المدن؟ وهل أصبحت الشوارع توقع الاتفاقات أم أن الخرائط الجديدة تُرسم كما تُرسم حدود مزارع النفوذ، بعيدًا عن أصوات الناس وضجيج الأسواق ورائحة الخبز؟
الملفات جاهزة.. الطاولة جاهزة.. الأسماء تكاد تكون جاهزة.. حتى السيناريو مكتوب، ولم يبق إلا أن يُطلب من الشعب أن يصفق في المشهد الأخير، ثم يغادر المسرح بهدوء حتى لا يزعج الممثلين، ولكن موافقة الشعب تتم بإسكاته برغيف خبز أو راتب إضافي؟
كل شيء يجري باسم الليبيين إلا الليبيون أنفسهم. وكما يقول المثل أصبحوا «مثل الأطرش في الزفة».
لقد نجحوا في إبعاد المواطن عن السياسة، ثم اتهموه بأنه غير مهتم. صادروا صوته، ثم اشتكوا من صمته. أغلقوا الأبواب، ثم سألوا: لماذا لا يشارك الناس؟ ولكنهم لا يعرفون أن تحت الرماد نار، ويوما ستشتعل!
ليبيا اليوم ليست فقيرة في الرجال، بل فقيرة في الصدق. وليست تعاني نقص المبادرات، بل كثرة الوسطاء الذين يتحدثون باسمها أكثر مما يسمعون منها، ويبقى الشعب جالسًا في الصف الأخير، يشاهد المسرحية نفسها، مع تغيير بسيط في أسماء الأبطال، بينما النص لم يتغير منذ سنوات. لكن المسرح، مهما طال عرضه، له لحظة يسقط فيها الستار. وعندما يصل المواطن إلى قناعة أن الأمل لم يعد مؤجلًا بل مسروقًا، فإن التاريخ لا يطلب إذنًا من أحد. عندها، لن يكون الانفجار خبرًا عاجلًا، بل النتيجة الطبيعية لسنوات طويلة من بيع الأوهام، ومصادرة الأحلام، بينما كان الجميع يتفرج!
التضحيات واجب من أجل الوطن، والركود لهؤلاء لن تستفيد منه ليبيا، والوطن سيظل وطنا، وينتظر شعبه، لينقذه دائما، وهذا ما يحدث عندما يفيض الكيل، ويصبح الجاهل يتحكم في دولة وشعب، ويبيعها للأجنبي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات